لماذا ينكر البعض ظاهرة المس وتلبس الجن بالانس
لماذا ينكر البعض ظاهرة المس

تعقيب وإضافات
حول ثبوت ظاهرة المس

المس الشيطاني المس العاشق المس من الجن
المس الشيطاني المس العاشق المس من الجن
بالرغم من صراحة الأدلة السابقة المطروحة في المقالة السابقة ووضوحها في إثبات ظاهرة المس ، إلا أنني وجدت أنه ما زال هناك نصيب للإنكار والشك في مصداقية هذه الظاهرة ، وهذا الأمر كنت ألحظه بعد الندوات المتعلقة بهذا الشأن ، وأعزو السبب إلى عدم اختيار منهاج موضوعي في طرحها ، وعدم استخدام أمثلة مقنعة عليها ، إضافة إلى أن أكثر وسائل الإعلام تتبنى منهجية الإنكار للظاهرة كرد فعل للاستغلال السيئ لها والمستشري في المجتمعات العربية ؛ لذا تتعاطى مع من يحقق هذه النتيجة ، فتعقد الندوات بطريقة غير موضوعية تعمق من حيرة الناس في تصور الظاهرة ، أذكر أنني شاركت في إحدى هذه الندوات مع قناة اقرأ ، وعند نهايتها يفاجئني المخرج بقوله : لقد ازددت حيرة ، ولم يشف غليلي ما سمعت ، ثم عقب قائلاً : هل هناك حقاً مس شيطاني ؟؟
طبعاً هذا موقف من مواقف عديدة لاحظتها ، بل شعرت في ندوات تمت فيها معالجة الموضوع بطريقة خاطئة أن المستمع يخرج منها بحالة من الشك والحيرة أكثر من ذي قبل ، فالظاهرة غريبة وأغلب أعراضها تتشابه مع المرض النفسي والمشاركون فيها ما بين مهول للظاهرة أو منكر لها من أصلها ، وجانب النقاش يتركز على إنكار الظاهرة إضافة إلى جهل كثير من المشاركين فيها لجوانب هامة معينة لفهم الظاهرة ؛ لذا يسير النقاش بطريقة غير موضوعية بين الفعل وردة الفعل .

علاج سحر التفريق عن بعد
علاج سحر التفريق عن بعد
لعل هذه العوامل عززت عندي ضرورة هذه الإضافة التي أبين فيها تصوراتي لعوامل الإنكار وأصوله الفلسفية ليتم حسم القول في هذه المسألة .
أولاً : المس ومصادر القول بثبوت وقوعه .
فالمعلوم أن إثبات مسألة أو إنكارها لا بد أن يستند إلى أدلة أو مصادر للمعرفة حقيقية ، ومصادر المعرفة عند غير المسلمين تستند إلى أمرين : العقل والحواس وما يتبعهما من مشاهدة وتجربة ، أما عند المسلمين فمصادر المعرفة ثلاثة ، وهي الوحي والعقل والحواس .
ولو حكمنا هذه المصادر الثلاثة في مسألة المس الشيطاني ماذا نرى ؟
المصدر الأول : الوحي .
لاحظنا خلال أدلة الوحي بشقيه الكتاب والسنة أنهما يثبتان ظاهرة المس الشيطاني ؛ حيث أن هناك آية صريحة في إثباته إضافة إلى مجموعة من أدلة السنة المؤكدة لحدوثه ، وبالمقابل لم نجد دليلاً واحداً صريحاً في الكتاب والسنة ينفيان هذه الظاهرة مع توفر دواعي النفي القوية ، وهذه الأدلة ترتقي بالقول بثبوت المس ، ولكن لا تصل لدرجة قطعية للدلالة عليها . ([1])
المصدر الثاني : العقل .
العقل في حكمه على شيء بأنه جائز أو مستحيل إنما يبني أحكامه من خلال قياس الغائب على المشاهد ، وهذه السمة في العقل هي أهم ما يميزه لأن العقل في اللغة بمعنى الربط ومنه العقال أي رباط البعير ، والعقل يصدر أحكامه من خلال الربط بين المشاهد وما يشبهه من الأمور الغائبة فيقيس الغائب على المشاهد .
وبالنظر إلى العقل بخصوص مسألتنا نجد أنه لا يرى دخول الجني بدن الإنسي من باب المحال أو المستبعد بسبب اختلاف المادتين بل يراه يدخل في باب الممكن والجائز قياساً على المشاهد ، فدخول مادة رقيقة لطيفة في مادة كثيفة أمر ممكن مشاهد يقره العقل وتؤيده المشاهدة والتجربة كدخول الأشعة أو سلوك الكهرباء في جسم الإنسان ، وما دامت هذه المواد الرقيقة تدخل جسد الإنسان ، وهو أمر مشاهد تؤيده التجربة ، فلا يمتنع عقلاً دخول مواد تشبهها في الرقة ، والمعلوم أن الجن خلق من مادة رقيقة ، ولرقة مادته لا نشاهده ؛ لذا ما المانع عقلاً من دخول الجن بدن الإنسان قياساً على دخول الأشعة أو الكهرباء والجامع بينهما هو الرقة في كلٍ .
إذا نخلص بنتيجة أن العقل يؤيد حصول المس ، ويدخله في باب الممكن عقلاً،و من يدعي غير ذلك فعليه بالدليل .
المصدر الثالث : الحس . المراد بالحس هنا المعلومات التي نستقيها من خلال الحواس سواء بالمشاهدة أو التجربة ، وكلاهما يثبتان وقوع المس من الناحية الواقعية ، وكون البعض لم يشاهد هذه الظاهرة على حقيقتها لا يعني عدم وجودها ، بل تضافرت الأقوال المثبتة للمس والمعاينة له قديماً وحديثاً ، وشارك في هذه المعاينة بعض ذوي الخبرة مما يجزم بمصداقية وقوعها ، ورفض صحة هذه الحوادث على كثرتها يعادل رفض كل شهادة إنسانية مهما كانت صفتها ، يقول البوطي : « ما من عاقل فهم معنى العلم إلا وعلم أن القاعدة العلمية تقول : عدم الوجدان لا يستلزم عدم الوجود ؛ أي عدم رؤيتك للشيء الذي تبحث عنه لا يستلزم أن يكون بحد ذاته مفقوداً إذ إن الموجودات أعم من المشاهدات » ([2]) .
إذا نلحظ أن مصادر المعرفة الثلاثة مثبتة لظاهرة المس ، ومعززة للقول بحصولها والاصطدام مع دليل جزئي هنا أو هناك أو اتهامه لا يلغي من ثبوتها ، والقول بإنكار هذه الظاهرة ليس له مسكة من دليل لا من الوحي ولا من العقل ولا من واقع التجربة والمشاهدة ، بل هو مجرد إنكار خارج عن دائرة الأدلة إلى دوافع أخرى دعت إليه كما سأبين .
ثانياً : المس وظاهرة الإنكار .
لاحظنا خلال طرح الآراء أن المثبتين لظاهرة المس هم جمهور العلماء قديماً وحديثاً ، وأن دائرة الإنكار تقتصر في الماضي على بعض غلاة المعتزلة ، وفي الحاضر على بعض الأطباء النفسيين ، وبعض أفراد المدرسة العقلية الحديثة ، وهذا يقتضي منا بيان أسباب إنكار هذه الظاهرة عند هؤلاء والخلفية الفلسفية وراء ذلك الإنكار .
1- المعتــزلة .
المعتزلة جماعة من أهل الكلام تميزت بأنها تعطي مجالاً واسعاً للعقل ، وتجعله حاكماً على نصوص الشرع ، فالحسن عندهم هو ما حسنه العقل والقبيح ما قبحه العقل ؛ لذا منشأ ضلال هذه الفرقة أنهم أعطوا للعقل سلطاناً فوق سلطان الشرع ، ووفق هذه القاعدة تعاملوا مع كافة النصوص الشرعية حال التعارض مع منهجهم فما كان قطعي الثبوت كالقرآن والسنة أولوه ليتفق مع مذهبهم ، وما كان ظني الثبوت ضعفوه ، وترتب على ذلك تعطيل أكثر الصفات الربانية وتأويلها ، إضافة إلى إنكارهم تأثير السحر والحسد وعذاب القبر وقولهم بعدم رؤية الله يوم القيامة ، واعتبارهم أن القرآن مخلوق ، بل أنكر بعضهم وجود الجن وتأولوا الآيات الواردة فيه على كثرتها ، وغير ذلك من الأمور التي لا تخضع مباشرة لسلطان العقل بزعمهم ، أو أن الأصول المنطقية التي تبنوها تتنافى مع ظاهر هذه النصوص .
هذه المنطلق الفلسفي والقواعد المنطقية التي سار عليها المعتزلة كان لها الأثر الكبير في كثير من الأفكار الغريبة التي اعتمدوها سواء في العقائد والصفات ، أو في الأمور الأخرى التي لا تخضع مباشرة لسلطان العقل،ومن ضمن غرائبهم إنكارهم حصول المس .
وبخصوص ظاهرة المس كيف أملى عليهم العقل – بزعمهم – بإنكارها ، هذا واضح من تقريراتهم الكلامية بخصوص هذه الظاهرة منها ما ذكره الجبائي بقوله : « الشيطان إما أن يقال كثيف الجسم أو يقال : إنه من الأجسام اللطيفة ! فإن كان الأول وجب أن يرى ويشاهد .. ولأنه لو كان جسماً كثيفاً فكيف يمكنه أن يدخل في باطن بدن الإنسان ، وأما إن كان جسماً لطيفاً كالهواء ؛ فمثل هذا يمتنع أن يكون فيه صلابة ، وقوة ، فيمتنع أن يكون قادراً على أن يصرع الإنسان ويقتله . » ([3])
هذا المنطق العقلي الذي ترتب عليه إنكار المعتزلة للمس الشيطاني ، وبسببه أولوا الآيات وضعفوا الأحاديث المثبتة له ، والملاحظ في منهج المعتزلة بتفويضهم المطلق للعقل القاصر أنهم بكل مسألة – أو شطحة – عقلية يقررونها يغرقون في متاهة فكرية وفي اضطراب فكري ، وفي تناقض عقلي أعظم مما توهموا أنهم أزالوه ، ولكي يتضح الأمر بخصوص مسألتنا أقول :
· أثبت الجبائي أن الجن لا بد أن لا يكون كثيف الجسم ، لأنه لو كان كثيفاً لوجب رؤيته ، وهذا الرأي نوافقه عليه ، بل هناك اتفاق بين المنكرين والمثبتين لظاهرة المس على ذلك .
· لزم من القول بعدم كثافة الجن القول بلطافته ورقته كالهواء ، ويترتب على ذلك بزعم الجبائي أن لطافة مادة الجني ورقتـها تمنع من قدرته على صرع الإنسان وقتله .
فالنتيجة العقلية الحاصلة أن رقة مادة الجني يترتب عليها القول بضعفها ، وضعفها مانع من القول بقدرتها على صرع الإنسي وقتله .
وهذا اللازم العقلي أو المانع العقلي الذي طرحه المعتزلة وبنوا عليه مسألتهم يصطدم مع صريح دلالة الشرع والعقل .
أولاً : اصطدامه مع صريح النقل .
/ – قال الله I : } قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ { ([4])
/ – قال الله I : } يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ { ([5])
وجه الدلالة :
الآيات صريحة في إثبات قدرة الجن ، الأولى تشير إلى قدرته على حمل عرش بلقيس العظيم من اليمن إلى الشام في طرفة عين ، والأخرى تثبت قدرتهم على أعمال شاقة ، وهاتان الآيتان صريحتان في دحض النتيجة العقلية التي وصل لها المعتزلة وتنسف استدلالهم من أصله ، فالجني وإن كانت مادته لطيفة رقيقة فهذا لا يمنع من قوته وقدرته على صرع إنسان أو قتله كما أنه لم يمنع من حمل عرش عظيم في طرفة عين أو القيام بصناعات ثقيلة كالمحاريب والتماثيل والجفان .
ثانياً : اصطدامه مع العقل .
ما اعتبره المعتزلة نتيجة أو لازم عقلي هو عبارة عن وهم أو شطحة عقلية أملاه عليهم تعنتهم ليس عليها دليل أو برهان ، فليس كون الشيء خلق من مادة رقيقة لطيفة غير مرئية إشارة إلى ضعف هذا الشيء ، ولئن لم يدرك المعتزلة ذلك بعقولهم ، أو لم تستشعره حواسهم فيما حولهم من ظواهر طبيعة كالصواعق المدمرة مثلاً مع كونها مادة رقيقة عبارة عن طاقة كهربائية ( تفريغ كهربائي ) ، فإن واقع الحس والتجربة في عصرنا أكبر دليل على ذلك وأكبر مثال عليها الكهرباء و أشعة الليزر ، وسيأتي دحض هذا الزعم عند حديثي عن حقيقة المس في المبحث الثالث من هذا الفصل .
فالملاحظ من مدلول العقل والنقل أن النتيجة العقلية التي بنى عليها المعتزلة رأيهم لا تسلم بأي وجه ، بل على العكس عمقت الاضطراب الفكري في فهم الظاهرة ، وألجأت إلى التأويل المذموم ، وخالفت مدلول العقل الذي نزهوه فوق الشرع ؛ و الذي جر المعتزلة لهذا القول هو تفويضهم المطلق للعقل وإعطائه أكثر من منزلته ، مع أن العقل محكوم بالحواس والحواس قاصرة ، وما يعلمه الإنسان من معلومات في إطار المحسوس يسير بين مد وجزر ويختلف من شخص لآخر ومن عصر لغيره ، وذلك وفق ما تمده الحواس من معلومات وثقافات ، والوجود ليس محصوراً في الحس البشري ، بل الحس البشري استوعب بعض الموجودات دون غيرها وما خفي عن الحس أعظم مما ظهر له ، وهذه حقيقة لا يماري فيها أحد ؛ لذا لو كان المعتزلة في عصرنا لغيروا كثيراً من الأحكام العقلية التي بنوها لأن دائرة المعلومات الواردة من الحس والواقع قد تغيرت في عصر العلم بشكل ملحوظ ، ويترتب عليها تغير كثير من النتائج العقلية التي بنوا عليها أحكامهم ، ولغيروا قاعدتهم العقلية من أن رقة الأشياء ولطفها دليل على ضعفها .
طبعاً لا يعني كلامي الإنقاص من قدر العقل ، ففضيلة العقل معلومة لكن الإشكالية في إخراج العقل من دائرة سلطانه ، يقول ابن خلدون : « العقل ميزان صحيح ، فأحكامه يقينية لا كذب فيها ، غير أنك لا تطمع أن تزن به أمور التوحيد والآخرة وحقيقة النبوة وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الإلهية وكل ما وراء طوره ؛ فإن ذلك طمع في محال ومثال ذلك مثال رجل رأى الميزان الذي يوزن به الذهب ، فطمع أن يزن به الجبال ، وهذا لا يدل على أن الميزان في أحكامه غير صادق ، لكن العقل قد يقف عنده ولا يتعدى طوره . » ([6]) وهذا كلام دقيق من ابن خلدون مفاده أن العقل كآلة للفهم معتبرة إلا أن لها مجال لا تتعداه ، خاصة في الغيبيات والمغيبات ؛ لذا اعتباره حاكماً بإطلاق يعتبر ضرباً من الوهم الذي لا مستند له .
2- المنكرون المعاصرون لظاهرة المس .
بالرغم من قلة المنكرين المعاصرين لظاهرة المس الشيطاني إلا أنهم لا يمثلون فرقة بعينها ، فهم خليط من الأطباء النفسيين إضافة لبعض أفراد المدرسة العقلية المعاصرة ، وبعض الماديين الذين انبهروا بالغرب ونهجه وأنكروا كل ما يغيب عن التجربة المباشرة الصريحة ، وبعض من اختلط عليهم الأمر و اخضعوا العقل والشرع للمشاهد لحواسهم دون اعتبار لشهادة الغير والتشكك فيها ، وخلال تتبعي لظاهرة الإنكار وجدت أن مردها الحقيقي ليس للأدلة من حيث الضعف والقوة أو للدلالة من حيث صراحتها أو غموضها ، بل هناك دواعي أخرى كانت وراء تبني فكرة الإنكار أولاً ثم ملاحقة الأدلة المثبتة بتأويلها أو تعطيلها ، وهؤلاء تختلف دواعي الإنكار عندهم ما بين دواعي حقيقية ، ودواعي أملتها المرجعية العلمية والثقافية ، ودواعي وهمية .
1- الدواعي الحقيقية :
أ- غرابة الظاهرة : ظاهرة المس ظاهرة غريبة لا تخضع للتجربة العلمية المباشرة ، أو بالأحرى يصعب معاينتها بصورة جلية ، وهذا يجعل الحكم على مصداقيتها موطن شك ، وذلك عند الكثيرين من قليلي الخبرة بهذا الشأن .
ب- اختلاط الظاهرة بالوهم والدجل : الملاحظ على ظاهرة المس أنها قد أخذت أكثر من حجمها الحقيقي في المجتمع ، وتعاطى معها كثير من الدجالين والجهلة حتى أصبحت عنواناً لكل مآربهم ومرتعاً لكل دجلهم ، فنسبوا كل عارض يمس الإنسان سواء كان نفسياً أو صحياً أو اجتماعياً للمس الشيطاني أو تسلط الجان على الإنسان ، وهذا الخلط والتضخيم المفتعل للظاهرة في المجتمع خلق ردة فعل لم تقف عند حدود محاربة الدجل ، و تنقية الظاهرة من الأوهام الدخيلة ، بل تعدى ذلك لإنكار أصل الظاهرة .
ج- سوقية التعاطي مع ظاهرة المس . الملاحظ أن ظاهرة المس في الماضي تعامل معها الأنبياء كعيسى ومحمد عليهما السلام ، وعالجها العلماء وأصحاب العلم الشرعي كالإمام أحمد وابن تيمية وابن القيم ، أما في عصرنا فقد تعاطى معها الدجالون والجهلة إلا ما نذر من أهل العلم الشرعي حتى أصحاب العلاج بالقرآن كانت عليهم مآخذ كثيرة في تعاطيهم مع الظاهرة ، أو حكمهم على الحالات التي تعرض عليهم ، أو نسبهم لكل عارض على أنه يصدق على المس ، أو خوضهم في أمور غيبية ليس لهم عليها برهان ، كل هذه العوامل أخرجت التعاطي مع ظاهرة المس كحالة مرضية تحتاج لعلاج قويم راشد إلى تهمة ومرض اجتماعي ابتلى به الكثيرون .
هذا الوضع المزري المتخلف في علاج ظاهرة المس والذي تعج به المجتمعات العربية جعل حالة من النفرة عند الكثيرين للظاهرة من أصلها ، والتي أصبحت عنواناً لتغييب الأمة عن مشاكلها الحقيقية ، وإسناد كل فشل أو تعثر أو مرض للجن والشياطين ؛ لذا كان الإنكار على الظاهرة الذي وصل لدرجة إنكار وجودها بمثابة رد فعل لإخراج الناس من حالة التخلف وغياب الوعي الحقيقي لأسباب مشاكلهم .
وفي ظني أن ردة الفعل قد تجاوزت الحد الطبيعي لها لأنها أنكرت الحقيقة التي حاطها شيء من الوهم والتضخيم ، فالمس حقيقة ثابتة ، وهناك حالات لا يمكن إنكارها أبدا ، وكون ظاهرة المس في المجتمع مفتعلة بصورة أكبر بكثير من حجمها الحقيقي لا يعني إنكار جانب الحق فيها ، وكون الآلاف ممن يزعم البعض بأنهم ممسوسون برءاء منه جملة وتفصيلاً لا يعني عدم وجود ممسوسين أصابتهم لوثة مس حقيقية .
وفي ظني أن كلا الجانبين قد جانب الصواب ، فالمضخم للظاهرة أعطاها أكبر من حجمها ، و المنكر للظاهرة من أصلها يعاند في طمس حقيقة ثابتة جلية جلاء النهار .
بل على العكس المنكر للظاهرة يعطي ذريعة لهؤلاء الدجالين والسوقيين ؛ لأنهم يجدون مادة علمية صريحة مثبتة لظاهرة المس ، وكان الأمثل هو إثبات ما هو ثابت ، ومحاربة أو كشف الزبد الذي علا فوق هذه الظاهرة .
د- تشابه أعراض ظاهرة المس مع الأمراض النفسية وبعض الأمراض العضوية : وهذا ملاحظ حيث تتشابه أكثر أعراض المس الشيطاني مع أعراض الأمراض النفسية ([7]) حيث نلحظ التشابه العجيب بين أعراض المس والاكتئاب النفسي والعصاب الذهني أو الهلوسة ، أو انفصام الشخصية أو الهستيريا أو الصرع ؛ والطبيب النفسي عندما تعرض عليه حالة مس حقيقية ، فليس من السهل عليه الإقرار بها ؛ لأنه يجد للأعراض التي يعاينها مسمى علمياً لديه ضمن قاموس الأمراض النفسية ؛ حتى لو لاحظ حالة تكلم فيها الجني على لسان الإنسي ، فسيعتبره حالة انفصام للشخصية أو هستيريا ، وقد لاحظنا في قصة الدكتور قيس الغانم ([8]) أنه عايش حالة مس شيطاني حقيقية مع بعض مرضى الصرع لديه ، وبالرغم من كثرة البراهين التي دلت على أن الصرع بسبب الجن لا بسبب مرضي إلا أنه استمر متشككاً مع الظاهرة إلى أن تثبت من مصداقيتها بكل ما لديه من وسائل .
وما حصل مع الدكتور قيس الغانم قد يحصل مع غيره لكن دون حصول أدلة وبراهين علمية تجعله يميل إلى اعتبار أن الظاهرة المرضية التي لديه هي ظاهرة مس ، وقد لا يكون لدى هذا الطبيب الأرضية الثقافية والاستعداد النفسي والموضوعية التي تؤهله للوصول إلى هذه النتيجة التي وصل إليها الدكتور قيس .
هذا التشابه نجده أيضاً بين أعراض السحر وبعض الأمراض العضوية ، فمن أعراض سحر المأكول والمشروب حصول المغص الشديد والإحساس بالقيء من وقت لآخر والإحساس بضيق التنفس وسرعة في نبضات القلب والصداع المزمن والشعور بالضيق وسرعة الغضب .
وهذه الأعراض نفسها يشكو منها مرضى القولون العصبي ؛ بل أحيانا تكون لديهم أشد مما يكون في حالة السحر المأكول أو المشروب ، والغريب أن مرض عصبي القولون ليس من السهل اكتشافه أو الحكم بوجوده أو إخضاعه للاختبار الطبي أو التحاليل الطبية ؛ لأنه عبارة عن اضطراب وظيفي ناجم عن ظروف نفسية ناجمة عن القلق والاكتئاب النفسي ، وكذلك ليس من السهل علاجه ؛ وهذا يعزز عند المرضى به اللجوء للمعالج القرآني أو السحرة والدجالين .
ولعل هذا التشابه الشديد بين المس والمرض النفسي أو العضوي يبرز مدى ضرورة إحياء الدراسات النفس روحية بطريقة علمية تجمع بين الأمرين لكي يتم التعامل مع الحالات المرضية بطريقة موضوعية .
2- الدواعي التي أملتها المرجعية العلمية والثقافية :
وهذه الدواعي تتعلق بالأطباء النفسيين في مجتمعاتنا الشرقية ، فالمعلوم أن الطب النفسي المعاصر برمته هو من إفرازات المجتمعات الغربية ، وكان أحد أشكال ردة الفعل على مرحلة التخلف التي عايشتها أوروبا في المرحلة الكنسية ، والتي انتهت بصراع بين العلم والدين عندهم خرجت منه أوروبا بانتصار العلم على الدين ، وأصبح التفسير العلمي للظواهر مقابلاً للتفسير الديني .
هذا الصراع كانت له دواعيه عندهم خاصة مع غلو الكنيسة وسيطرتها على الفكر ومساهمتها بشكل واضح في التخلف الحاصل لديهم ، وكما ذكرت كان علم النفس وأحد فروعه الطب النفسي من إفرازات هذا الصراع ؛ لذا أخذ شكلاً مادياً بحتاً في تعاطيه مع النفس البشرية منكراً الروح وعلاقتها بعوالم أخرى ، وخرج بنظريات عدة تضمنت الغث والسمين، وهذا واضح في كثير من نظرياته خاصة نظريات التحليل النفسي .
المهم لدينا هنا هو أن الأصول الفلسفية التي قام عليها الطب النفسي هي أصول مادية بحتة تعزل النفس البشرية عن كثير من العوامل الأخرى المؤثرة بالإنسان ، ولا ننكر هنا أن نظريات علم النفس والطب النفسي قد أسهمت بشكل واضح في فهم كثير من الظواهر النفسية لدى الإنسان ، لكن نؤكد هنا أن الأرضية الفلسفية التي بني عليها الطب النفسي الغربي وردة الفعل القوية لأي تفسير غيبي أو غير مادي بحت كان لها الأثر الكبير في انحراف مدارس علم النفس الغربي عن جادة الصواب ، وهذا واضح في نظريات فرويد وغيره من علماء النفس .
وكان لهذا الأصل الفلسفي التي بنيت عليه مدارس الطب النفسي أثره في تفسير كل الظواهر غير العضوية التي يتعرض لها الإنسان على أساس مادي بحت ينظر لكل اضطراب على أنه نتاج لعدم التوافق مع الذات أو مع المحيط الذي يعيش به الإنسان ، مع رفض كل تفسير يخرج عن هذين الأمرين كعلاقة الإنسان بعوالم أخرى غيبية تؤثر به كالجن والملائكة ([9]) ، أو آثار أخرى روحية غير مدركة كالحسد والسحر .
وترتب على ذلك :
– أصبح المعالج أو الطبيب النفسي في المجتمعات الشرقية أسيراًً لمدرسة الطب النفسي الغربي ، وتفسيراتها المادية البحتة لأمراض النفس .
– بدأ ينظر المعالج النفسي لبعض الحالات التي يُنظر إليها على أنها ظاهرة مس شيطاني على أنها نتاج فكري متخلف ورثته المجتمعات العربية من خلال منظومتها المجتمعية وخلفيتها الثقافية المشوهة التي لا تمت للعلم بشيء .
– يرى المعالج النفسي عند معالجته لبعض الحالات التي يصدق على أنها من الظواهر الروحية [ سحر – مس – حسد ] إنه إما يقتصر على السبب القريب الظاهر لديه في تفسير الظاهرة باعتبارها مرضاً نفسياً أو يلاحق السبب البعيد المتخيل وهو أن وراء هذه الظاهرة جني أو شيطان ؛ لذا يعمد المعالج النفسي إلى اعتبار السبب القريب حتى لا يغيب في المجهول أو يصارع أمراً خفياً غير مدرك لديه ، و ليست لديه الوسائل الكفيلة بالانتصار عليه ، وخوفاً من خروجه من دائرة العقلانية المعاصرة في التعاطي مع كل الأمراض بشكل مادي بحت ؛ لذا يستبعد السبب البعيد ، بل لا يجعله في الحسبان ، ويستهجن كل من يدعيه .
والحقيقة أن اعتماد السبب القريب هو الأصل في المنهجية العلمية حتى لا يدخل الإنسان في متاهات ، و يجب أن يتعامل المعالج النفسي أو القرآني على أن الحالات التي تعرض عليه على أنها مس شيطاني ما هي إلا حالات نفسية أو عضوية .
لكن الموضوعية تقتضي في بعض الحالات الحقيقية للمس الشيطاني أن لا يتم التعامل معها بالأسباب القريبة خاصة إذا تبين فشل التشخيص والعلاج النفسي للظاهرة ، بل الأصل أن يتجرد المعالج النفسي من أفكاره المسبقة ويتعاطى مع الظواهر الشاذة عن دائرة الأمراض النفسية على أنها ظواهر روحية أو ظواهر جديدة تحتاج إلى بحث واستكشاف « وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً » ([10]) وقد أعجبتني كلمة من باحث نفسي من النرويج يحمل درجة الدكتوراه في العلاج النفسي خلال حديثي معه عما شاهده من ظواهر مرضية في غزة و إمكانية أن تكون بعض الحالات مساً شيطانياً فقال : أنا لا أؤمن بهذه الظواهر أصلاً لكن هناك حالات غريبة شاهدتها في غزة وكان يحصل فيها الشفاء فجأة بخلاف الأمراض النفسية ، ثم عقب قائلاً : إن هذه الحالات تحتاج لبحث ودراسة لمعرفة الأسباب الحقيقية وراءها .
هذه الموضوعية والمبادرة للبحث والاستكشاف حرم منها كثير من أطبائنا ؛ لذا يجدون الأسهل عليهم إنكار الظاهرة من أصلها والتشبث بأي شبهة دليل تعزز أفكارهم المسبقة والأرضية الفكرية التي بنوا عليها علمهم ، ولو تجرد بعض الأطباء المسلمين من الأفكار المسبقة وتعاملوا مع بعض الظواهر الحقيقية بجدية سواء بأنفسهم أو من خلال أهل الثقة في العلاج القرآني لوصلوا للحقيقة ، و لكانوا أقدر من المعالجين الروحيين في فهم كثير من معضلات الأمراض النفس روحية ، وذلك بفضل الدراسات النفسية التي تخصصوا بها .
– عدم معرفة المعالج النفسي للظواهر الروحية وآثارها جعلته يتعاطى فقط مع التفسيرات المادية البحتة ، وبالتالي أهمل جانباً مهماً في التشخيص والعلاج لكثير من الظواهر المركبة ، والتي مزج فيها العامل النفسي مع العامل الروحي ، وبعضهم لم يمتلك جرأة المبادرة للاعتراف بهذه الظواهر ومحاولة اكتشاف أسرارها ، أو بعبارة أخرى لم يمتلك جرأة العالم هيوارد كارنجتون ، عضو جمعية البحوث النفسية الأمريكية عندما قال : « واضح أن حالة المس هى على الأقل حالة واقعية ، لا يستطيع العلم بعد أن يهمل أمرها ، ما دامت توجد حقائق كثيرة مدهشة ، تؤيدها .وما دام الأمر كذلك ؛ فإن دراستها أصبحت لازمة وواجبة،لا من الوجهة الأكاديمية فقط ، بل لأن مئات من الناس ، وألوفاً يعانون كثيراً في الوقت الحاضر من هذه الحالة ؛ ولأن شفاءهم منها يسـتلزم الفـحص السـريع ، والعلاج الفوري …. » ([11]) ولا جرأة الباحثين الشهيرين ريشار هودسن،وجيمس هايسلوب في نتائج دراسة قاموا بها حين قالوا :« إن عدداً عديداً من المجانين الذين يحبسون في البيمارستانات ، ليسوا بمصابين بأمراض عقلية ، بل مملوكين لأرواح قد استولت عليهم واستخدمتهم . » ([12])
– وجد المعالج النفسي في رأي المعتزلة ومن وافقهم في عصرنا مخرجاً للتخلص من الظواهر الروحية ؛ لذا نجده يتشبث بهذا الرأي الذي يتفق والمدرسة النفسية التي ينتمي إليها .
الخلاصة :
الطب النفسي المعاصر مبني على المدرسة الغربية وتفسيراتها للأمراض النفسية أو الصحة النفسية ، وهذه الأرضية الفكرية لها الأثر الكبير في إنكار كل تأثير روحي خارج عن النفس البشرية وتفاعلها مع ( الأنا والهو والأنا الأعلى ) ؛ لذا ليست الإشكالية عند الأطباء النفسيين ومن وافقهم من المدرسة العقلية المعاصرة ، في الأدلة المثبتة للظاهرة أو المشككة فيها إنما الإشكالية في الدوافع القوية المعززة لإنكار الظاهرة لديهم ، ولو أن هذه الدافعية القوية للإنكار خفتت لديهم أو زالت لكان أدنى دليل من الأدلة المثبتة للظاهرة كفيل بإثبات الظاهرة وتبنيها .
بل لو وجد في الغرب زمرة كبيرة من العلماء المثبتة للمس الشيطاني ، وبدأ الاعتراف بهذا المرض الروحي عند الغرب بشكل علمي واسع لرأينا الأطباء الشرقيين يتهافتون على الفكرة ، بل تكثر لديهم الأصوات المنادية بالإعجاز القرآني أو النبوي المثبت للظاهرة قبل خمسة عشر قرناً ، ولما وجدنا من الأطباء أو من المدرسة العقلية واحداً يتهم هذه الأدلة المثبتة للمس ، بل دليل واحد يكفي لديهم لإثباتها حتى لو كان ضعيفاً ، وهذه مشكلة في عمق الفكر الإسلامي المعاصر أو المنتسبين له ، فما أثبته الغرب نتغنى بثبوته في نصوصنا ، وما أنكره أو شكك فيه نتهمه ، أو نعطل أدلته .
وكلامي السابق ليس اتهاماً للطب النفسي والدراسات النفسية بل أنا من أكثر المهتمين بهذا الجانب والمطالعين له ؛ لكن يقتصر جانب الاتهام على التبعية المطلقة لبعض فلسفات وأفكار المدرسية الغربية وفهمها للظواهر المتعلقة للنفس البشرية ؛ لذا أنا أستغرب جداً من تلك الثقة المطلقة في علم قام على أسس مادية بحتة ، و ما زال بكراً في أطواره الأولى ، و المجهول فيه أكثر من المعلوم والتجارب الفاشلة أكثر من الناجحة ، يقول أستاذ علم النفس الدكتور سعد الزهراني : « فالعلاج النفسي ما زال وليداً ولم يتجاوز القرن بعد ، وليس من السهل على الإنسان الذي احتاج إلى آلاف السنين لاكتشاف بعض الظواهر المادية أن يفهم أهم جزء فيه بل في الكون ويستطيع أن يعالج ما يعتريه في عدة مئات من السنين . » ([13]) أما اعتبار أن الدراسات النفسية قد سبرت أغوار وكشفت أسرار النفس البشرية وبينت طرق علاجها فهذا أيضاً ضرب من التهويل ؛ إذ إن كثيراً من أسرار الأجهزة العضوية والتيس يمكن إخضاعها للتجربة ما زال في طور المجهول ، فكيف بأسرار النفس التي لا تخضع للتجربة وتؤثر فيها عوامل عدة وتدخل أكثرها في طور الأسرار المعقدة التي تحتمل أكثر من إجابة للعلة الواحدة ، فالإنسان ما زال مجهولاً من الناحية الفسيولوجية فكيف بالنفسية : يقول أحذ جهابذة الطب الحديث الدكتور ألكسيس كاريل : « وواقع الأمر أن جهلنا مطبق ، فأغلب الأسئلة التي يلقيها على أنفسهم أولئك الذين يدرسون الجنس البشري تظل بلا جواب ؛ لأن هناك مناطق غير محدودة في دنيانا الباطنية ما زالت غير معروفة ، إننا ما زلنا بعيدين جداً من معرفة ماهية العلاقات الموجودة بين الهيكل العظمي والعضلات والأعضاء ووجوه النشاط العقلي والروحي .. وهناك أسئلة أخرى لا عداد لها يمكن أن تلقى في موضوعات تعتبر غاية في الأهمية بالنسبة لنا ، ولكنها ستظل جميعاً بلا جواب ، فمن الواضح أن جميع ما حققه العلماء من تقدم فيما يتعلق بدراسة الإنسان ما زال غير كاف ، وأن معرفتنا بأنفسنا ما زالت بدائية في الغالب . » ([14])
وما دام معرفتنا بالإنسان من الناحية العضوية والفسيولوجية ما زالت بدائية ؛ فالأحرى أن تكون معرفتنا به من الناحية النفسية والروحية أكثر بدائية ، يقول الله سبحانه وتعالى : } وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً . { ([15]) وحري بالأطباء النفسيين في بلاد الشرق ممن أكرموا برسالة الإسلام وتفسيرها لكثير من الظواهر أن يتعاملوا مع الأمور المحتملة لديهم إما بالتوقف في الحكم عليها أو بالتشمير للكشف عن أسرارها ، ولو كانت هناك جرأة المبادرة لتأصيل الطب النفسي وفق الأصول الإسلامية وتنقيته من الأفكار الكثيرة الدخيلة التي لا تتفق والنظرة الإسلامية للنفس البشرية ، وتعزيزه بالدراسات الإسلامية الأكثر شمولية في فهم أمراض النفس والتي تتسع لجانب من الأمراض الروحية ، وتلقيح هذه الدراسات من خلال الاستفادة من التجارب المجردة الموضوعية لدى الغرب ، لكانت النتيجة نجاحاً يقتدى به على مستوى العالم في العلاج النفسي ؛ خاصة مع فشل كثير من النظريات الغربية في حل كثير من المشاكل النفسية لديهم بل بعض النظريات الغربية كانت سببا في تعميق المشاكل النفسية ، وما الإباحية والانسعار الجنسي المحموم لدى الغرب وما ترتب عليه من عقد نفسية لم تكن في الحسبان إلا إفراز من إفرازات نظرية فرويد .
3- الدواعي الوهمية وراء إنكار ظاهرة المس .
أ- ادعاء ضعف الأدلة المثبتة للمس :
نلحظ من بعض الكتاب المعاصرين مثل صاحب كتاب الأسطورة التي هوت أو كتاب إستحالة دخول الجن بدن الإنسان أن أصحابها عمدوا بعد تأويل الآية الصريحة في المس إلى التشكيك في الأحاديث الدالة على الظاهرة ، وخلصوا إلى نتائج منها : أن جل الأحاديث الواردة في هذا الباب ضعيفة ، وذلك لأدنى شبهة في الرواة أو الروايات .
ويلحظ من أصحاب هذه الكتب أن بضاعتهم في علم الحديث ضعيفة جداً وخالفوا في منهجهم أكابر العلماء في هذا الشأن ، ويتضح بصورة جلية الاضطراب في منهجهم و اختلال الموازين في الحكم على كل حديث على حدة ، فالحديث إن سلم رواته من الجرح ادعوا اضطراب الرواية لتعدد رواياتها ، وإن لم تتعدد الروايات ادعوا عدم دلالة المتن على ظاهرة المس ، و إن كانت هناك أدنى شبهة في راوي ادعوا ضعف الرواية ، ولم يكلفوا أنفسهم عناء البحث المنهجي عن روايات أو طرق أخرى للحديث تعززه وتؤيده ، ولم يحترموا استدلال الأكابر واستنباطاتهم من متونها في إثبات المس ، وهذا منهج غريب مستهجن مبتور في علم الحديث ، ولو استخدم علماء الحديث مثل هذا المنهج الغريب المستهجن لما سلم لنا إلا القليل جداً من الحديث النبوي الشريف .
ومن يتتبع هذه الكتب يشعر بأن فكرة الإنكار المسبقة لدى أصحابها سيطرت عليهم فأخرجتهم من موضوعيتهم في التعاطي مع الأدلة ودلالاتها ، وألبستهم ثوب التكلف والتعنت .
وهذا الداعي الوهمي لإنكار الظاهرة ليس له مستند علمي واضح ، ويخالف منهج المحدثين والعلماء المعتبرين في هذا الشأن ، يكفي القول هنا بأن مجموع الأدلة المتنوعة يدل دلالة صريحة قد تقرب من درجة اليقين والقطع على ثبوت أصل الظاهرة ، و لا يتصور تواطؤ كل هذا المجموع من الرواة لأحاديث مختلفة وبطرق متعددة على إثبات ظاهرة وهمية كما يدعي البعض ، ولا يتصور اختلاق هذا الكم الكبير من الأحاديث ، والتي وردت بمتون متعددة وبطرق مختلفة ، وكلها تعزز إثبات ظاهرة . ([16])
ب- ادعاء عدم مشاهدة حالات مس حقيقية بينة .
وهذا ادعاء وهمي يدعيه كل المنكرين لظاهرة المس ، وكون البعض لم يعاين حالات مس حقيقية لا يعني عدم وجود الظاهرة ، ولا يعني اتهام مشاهدات الآلاف قديماً وحديثاً للظاهرة ، بل اتهام كل هذه الشهادات والمشاهدات هو بمثابة اتهام للشهادة الإنسانية من أصلها ، وأقول لهؤلاء : إن لم تكونوا شاهدتهم ظاهرة مس حقيقية ، فغيركم الكثير قد شاهدها ، وهذا الكثير منهم جم غفير ممن نثق بدينهم وبشهادتهم وبأحكامهم الموضوعية ، وإن كنتم حريصين على التثبت وحسر وجه الحقيقة عن الظاهرة ، فالأمر ليس صعباً وواقعات المشاهدات الحقيقية تتكرر يومياً لكن ابحثوا عنها في مظانها الحقيقية ، وببساطة بدلاً من الإنكار غير المبرر أمكن الذهاب لبعض الثقات من المعالجين ومطالبتهم بإتاحة الفرصة لمشاهدة ظاهرة مس حقيقية ،وأمكن ملاحقة هذه الطريقة بطريقة علمية بحثية موضوعية .
الخلاصة
ظاهرة المس ظاهرة حقيقية دل عليها الوحي والعقل والحس ، والإنكار لهذه الظاهرة ليس مرده الأدلة ، فالأدلة من الكثرة بحيث لا يمكن إغفالها ولا يستساغ تأويلها أو تعطيلها ، بل هناك أسباب كثيرة ودواعي متعددة وراء إنكارها منها ما ذكرت سابقاً ، ولو وجدت هذه الظاهرة باحثاً علمياً موضوعياً متجرداً لاكتشاف أسرارها وحقيقتها لوصل لنتائج باهرة في هذا المجال أمكن أن تكون أساساً في علم الدراسات النفس روحية ، وأمكن أن تؤسس لمنهج جديد في العلاج النفس روحي تستفيد منه البشرية جمعاء ، لكن المجتمعات الشرقية مازالت لا تملك جرأة البحث بموضوعية ، ولا يوجد فيها إمكانيات لتكوين فريق عمل متخصص يعتني باكتشاف الظاهرة وملاحقتها من جميع جوانبها ، لكن هناك إمكانيات لتفعيل الندوات المتعددة لإنكار الظاهرة ، بقي أن ننتظر فريق عمل غربي ليحل لنا هذه المعضلة .

([1]) المعلوم أن القرآن كله قطعي الثبوت ، لكن آياته بعضها قطعي الدلالة ؛ بحيث يعتبر منكر هذه الدلالة أنه منكر لشيء معلوم من الدين بالضرورة ، والبعض الآخر ظني الدلالة ؛ بحيث تختلف الآراء في تفسير المراد منه ، ولا يصل أي رأي إلى درجة قطعية جازمة بأن مخالفه حاد عن جادة الصواب ، ودلالة القرآن والسنة على ظاهرة المس تدخل في باب ظني الدلالة ؛ أي لا يعتبر منكرها أنه أنكر شيئاً معلوماً من الدين بالضرورة .
([2]) البوطي : كبرى اليقينيات الكونية ( 281)
([3])الرازي : مفاتيح الغيب ( 7/85) ؛ الشبلي : آكام المرجان ( 144 ) ؛ زادة : حاشية زادة على تفسير البيضاوي (1/586)
([4])النمل:39
([5])سـبأ:13
([6]) ابن خلدون : المقدمة ( 364 )
([7])سأفصل ذلك عند حديثي عن الفرق بين المرض النفسي والمس الشيطاني
([8]) انظر ص 42
([9]) النظرة الإسلامية تثبت تأثر الإنسان بهذه العوالم على سبيل المثال الأحلام في الطب النفسي هي نتاج للصراع النفسي أما وفق النظرة الإسلامية فإنها قد تكون بأثر خارج عن دائرة النفس البشرية ومتأثرة بعوالم أخرى خفية كالشياطين ، قال النَّبِيَّ r : الرُّؤْيَا مِنْ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفِثْ حِينَ يَسْتَيْقِظُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ [ البخاري برقم 5306 ] فالحديث أثبت أن للرحمن أو الشيطان علاقة بالأحلام ، وليست فقط عبارة عن نتاج نفسي بحت .
([10])الإسراء : من الآية85
([11]) حوى : الأساس في السنة و فقهها ، قسم العقائد ( 2 / 758 )
([12]) وجدي : دائرة معارف القرن العشرين ( 3 / 182 ) .
([13]) نقلاً عن الآثري : برهان الشرع ( 206)
([14]) ألكسيس كاريل : الإنسان ذلك المجهول ( 17-19)
([15]) الإسراء : الآية 85
([16]) قد يعترض البعض ويقول أن هناك كماً هائلاً من الأحاديث وضعت في فضائل أهل البيت ، فلا يمتنع أن تختلق كل هذه الأحاديث في إثبات ظاهرة المس ، ويرد على ذلك بأن دواعي وضع الحديث قوية جداً في حق أهل البيت ، أما ظاهرة المس ، فليس هناك أي داعي لدى الوضاعين لإثباتها .

Advertisements