المس الشيطاني بين الوهم والحقيقة انه الشيطان موجود

هذه مقالة لبيان ظاهرة المس من الناحية الشرعية والعقلية ويتبعها مقالة أخرى لبيان أسباب إنكار ظاهرة المس ، وقبل بيان آراء العلماء في المس أؤكد قضية مهمة وهي لإن كان المس حقيقة إلا أن أكثر الظواهر التي تنسب للمس في المجتمعات العربية هي تهويل وأوهام وسيتضح ذلك خلال ملاحقتي للظاهرة وبيان علاقتها بالمرض النفسي وأمراض روحية أخرى لكن في هذه المقالة سأقتصر على مناقشة أصل الظاهرة ، وفي مواضع أخرى أناقش الجوانب الأخرى المتعلقة بهذه الظاهرة

آراء العلماء في ظاهرة المس

علاج سحر التفريق عن بعد
علاج سحر التفريق عن بعد

اختلفت آراء العلماء حول حقيقة المس ويمكن إرجاع آرائهم إلى مذهبين وهما :
المذهب الأول
وهو مذهب أهل السنة والجماعة الذين يثبتون دخول الجني بدن الإنسي ، ويعتبرون ذلك حقيقة ثابتة يشهد لها النقل والعقل .([1])
المذهب الثاني :
وهو مذهب بعض المعتزلة ، وبعض الفلاسفة الذين ينكرون دخول الجني بدن الإنسي وهؤلاء يؤولـون أدلة الجـمهور الدالة على ثبوت المس وجواز دخول الجني بدن الإنسي ([2]).
ويرى بعض أصحاب هذا الرأي ممن حاول أن يوفق بينه وبين رأي الجمهور أن الصرع لا يكون من جهة تلبس الجني للإنسي ، وإنما يحصل بسبب الإيحاء والوسوسة التي
يلقيها الشيطان في صدور النفوس الضعيفة . ([3])
ويشارك المعتزلة بعض العلماء المعاصرين كالغزالي ([4])وغيره ([5])، و بعض الأطباء

النفسيين ،وأصحاب الفلسفة المادية في عصرنا الحاضر. ([6])
أولاً : أدلة المذهب الأول :
استدل أهل السنة والجماعة بالكتاب والسنة والمعقول والمشاهدة ، وهى على النحو التالي :
1 -أدلة القرآن الكريم :
/ – قال الله I : } الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِن الْمَسِّ { ([7])
وجه الدلالة :
الآية نص صريح على حدوث الصرع بسبب تلبس الجني ؛ لأن المس هو الجنون الذي يحدثه الجني نتيجة لتلبسه بدن الإنسي ، كما ذكر أكثر المفسرين ، والتخبط المذكور في الآية ؛ هو الضرب بغير استواء ؛ كضرب العشواء ، والمقصود به حركات الممسوس الصرعية ؛ بسبب تلبس الجني له . ([8])
وتعتبر هذه الآية هي أقوى أدلة أهل السنة في الدلالة على ثبوت المس ، ولـو لم يكن غير هذا الدليل في الدلالة على ثبوت المس ، وتلبس الجني بدن الإنس لكان ذلك كافياً ؛ لصراحته وقوة دلالته على ذلك بما لا يحتمل التأويل ، يقـول الشوكاني: « في الآية دليل على فساد قول من قال :إن الصرع لا يكون من جهة الجني.» ([9])
ويقول القرطبي : « في هذه الآية دليل على فساد من أنكر الصرع من جهة الجن ، وزعم أنه من فعل الطبائع ،و أن الشيطان لا يسلك في الإنسان ، ولا يكون منه مس » ([10])
/ – قال الله I : } إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ { ([11])
وجه الدلالة :
فسر بعض المفسرين مس الشيطان في هذه الآية بالصرع الذي يحدثه الجني. ([12])
2 – أدلة السنة :
/ – عن عَطَاءُ بْن أَبِي رَبَاحٍ t قَالَ : قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ t :} أَلا أُرِيكَ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ قُلْتُ : بَلَى . قَالَ هَذِهِ الْمَرْأَةُ السَّوْدَاءُ أَتَتِ النَّبِيَّ r فَقَالَتْ : إِنِّي أُصْرَعُ وَإِنّى أَتَكَشَّف فَادْعُ اللَّهَ لِي قَالَ : إِنْ شِئْتِ صَبَـرْتِ وَلَكِ الْجَنَّـةُ وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللَّهَ أَنْ يُعَافِيَكِ فَقَالَتْ :أَصْبِرُ فَقَالَتْ:إِنِّي أَتَكَشَّفُ فَادْعُ اللَّهَ لِي أَنْ لا أَتَكَشَّفَ {([13])
قال ابن حجر : « وعند البزار من وجه آخر في نحو هذه القصة أنها قالت : إني أخاف الخبيث أن يجردني ، فدعا لها ، فكانت إذا خشيت أن يأتيها ، تأتي أسـتار الكعبة فتتعلق بها.» ([14])
وجه الدلالة :
يؤخذ من مجموع الروايتين أن ما كان يصيب المرأة هو من مس الشيطان ، ويرشد إلى ذلك صريح قولها :» إني أخاف الخبيث أن يجردني »
قال ابن حجر : « قد يؤخذ من الطرق التي أوردتها أن الذي كان بأم زفر كان من صرع الجن لا من صرع الخلط . »([15])
/ – عَنْ أَبِي الْيَسَرِ t }أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ r كَانَ يَدْعُو اللَّهُ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْهَدْمِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ التَّرَدِّي ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْغَرَقِ ، وَالْحَرَقِ وَالْهَرَمِ وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَمُوتَ فِي سَبِيلِكَ مُدْبِرًا ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أَمُوتَ لَدِيغًا { ([16])
وجه الدلالة :
الحديث يدل بإشارة النص ([17]) على حدوث الجنون بسبب المس الشيطاني ،([18]) بدليل تعـوذ النبي r منه ، فلـو لم يكن ذلك حقيقة ؛ لما سـاغ للنبي r أن يتعوذ ،
ويستجير بالله منه .
والخباط كما فسره أهل التفسير واللغة نوع من الجنون. قال الطبرسي :« الخباط
داء كالجنون؛ لأنه اضطراب في العقل » ([19])
وقال الشوكاني : « الخبط: الضرب بغير استواء ؛ كخبط العشواء ؛ وهوالمصروع » ([20])
وقال ابن منظور في تفسير معنى يتخبطني : « أي يصرعني ويلعب بي » ([21])
/ – عَنْ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ t قَالَ: }لَقَدْ رَأَيْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلاثًا مَا رَآهَا أَحَدٌ قَبْلِي، وَلا يَرَاهَا أَحَدٌ بَعْدِي ، لَقَدْ خَرَجْتُ مَعَهُ فِي سَفَرٍ ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ مَرَرْنَا بِامْرَأَةٍ جَالِسَةٍ ، مَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا صَبِيٌّ ، أَصَابَهُ بَلاءٌ ، وَأَصَابَنَا مِنْهُ بَلاءٌ ؛ يُؤْخَذُ فِي الْيَوْمِ مَا أَدْرِي كَمْ مَرَّةً ؟ قَالَ : نَاوِلِينِيهِ فَرَفَعَتْهُ إِلَيْهِ فَجَعَلتْهُ بَيْنَهُ ، وَبَيْنَ وَاسِطَةِ الرَّحْلِ ثُمَّ فَغَرَ فَاهُ ، فَنَفَثَ فِيهِ ثَلاثًا ، وَقَالَ : بِسْمِ اللَّهِ أَنَا عَبْدُ اللَّهِ ، اخْسَأْ عَدُوَّ اللَّهِ ، ثُمَّ نَاوَلَهَا إِيَّاهُ فَقَالَ: الْقَيْنَا فِي الرَّجْعَةِ فِي هَذَا الْمَكَانِ فَأَخْبِرِينَا مَا فَعَلَ ؟ قَالَ : فَذَهَبْنَا وَرَجَعْنَا فَوَجَدْنَاهَا فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ ، مَعَهَا شِيَاهٌ ثَلاثٌ فَقَالَ : مَا فَعَلَ صَبِيُّكِ ؟ فَقَالَتْ : وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا حَسَسْنَا مِنْهُ شَيْئًا حَتَّى السَّاعَةِ ، فَاجْتَرِرْ هَذِهِ الْغَنَمَ قَالَ : انْزِلْ فَخُذْ مِنْهَا وَاحِدَةً ، وَرُدَّ الْبَقِيَّةَ . { ([22])
وفي لفظ آخر للحديث }أَنَّ امْرَأَةً جَاءَتْ إِلَى النَّبِيِّ r مَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا بِهِ لَمَمٌ ([23]) فَقَالَ النَّبِيُّ r : اخْرُجْ عَدُوَّ اللَّهِ ، أَنَا رَسُولُ اللَّهِ . قَالَ : فَبَرَأَ فَأَهْدَتْ إِلَيْهِ كَبْشَيْن ،ِ وَشَيْئًا مِنْ أَقِط ، وَشَيْئًا مِنْ سَمْنٍ . قَـالَ : فَقَـالَ رَسُولُ اللَّهِ r : خُـذِ الأقِـطَ ([24]) وَالسَّـمْنَ وَأَحَـدَ الْكَبْشَيْنِ وَرُدَّ عَلَيْهَا الآخر { ([25])
وفي لفظ آخر للحديث عن جابر بن عبد الله فيه أن المرأة قالت للرسول r : هذا ابني قـد غلبني عليه الشيطان…. إلخ ([26])
وجه الدلالة :
الحديث بجملة رواياته يدل دلالة واضحة على دخول الجني بدن الإنسي بدليل فتح النبي r فم الصبي ومخاطبة الجني بقوله « إخسأ عدو الله » في الرواية الأولى ، وقوله : « اخرج عدو الله » في الرواية الثانية ؛ وطلب خروج الجني يقتضي دخوله قبل ذلك .
والمقصود بقول الرسول r : « اخرج عدو الله » الجني ، وقد جاء ذلك صريحاً في الرواية الثالثة ؛حيث قالت المرأة : « هذا ابني غلبني عليه الشيطان »
/ – عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ : } لَمَّا اسْتَعْمَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ r عَلَى الطَّائِفِ ، جَعَلَ يَعْرِضُ لِي شَيْءٌ فِي صَلاتِي، حَتَّى مَا أَدْرِي مَا أُصَلِّي . فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ رَحَلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ r ، فَقَال :َ ابْنُ أَبِي الْعَاصِ ! قُلْتُ نَعَمْ ! يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : مَا جَاءَ بِكَ ؟ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَرَضَ لِي شَيْءٌ فِي صَلَوَاتِي ، حَتَّى مَا أَدْرِي مَا أُصَلِّي. قَال :َ ذَاكَ الشَّيْطَانُ. ادْنُهْ فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَجَلَسْتُ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيَّ. قَال: فَضَرَبَ صَدْرِي بِيَدِهِ، وَتَفَلَ فِي فَمِي، وَقَالَ: اخْرُجْ عَدُوَّ اللَّهِ! فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَـالَ: الْحَـقْ بِعَمَلِكَ قَالَ: فَقَالَ

عُثْمَانُ فَلَعَمْرِي! مَا أَحْسِبُهُ خَالَطَنِي بَعْدُ * { ([27])
وجه الدلالة :
الحديث صريح الدلالة على تلبس الجن الإنس ؛ ويتضح ذلك في قول النبي r : « ذاك الشيطان » وقوله : « اخرج عدو الله » .
/ – عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمَا }أَنَّ صَفِيَّةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهَا أَتَتِ النَّبِيَّ r وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، فَلَمَّا رَجَعَت . مَشَى مَعَهَا ، فَأَبْصَرَهُ رَجُلٌ مِنَ الأنْصَارِ ، فَلَمَّا أَبْصَرَهُ دَعَاهُ. فَقَالَ : تَعَالَ . هِيَ صَفِيَّةُ ! وَرُبَّمَا قَال : سُفْيَانُ َ هَذِهِ صَفِيَّة! فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ قُلْتُ لِسُفْيَانَ : أَتَتْهُ لَيْلا قَالَ:وَهَلْ هُوَ إِلا لَيْلٌ؟ { ([28])
وجه الدلالة :
الحديث يدل على إمكانية دخول الجن بدن الأنس ، وأنه يجري في جميع جسده كما يجري الدم في العروق ، وقد استدل به جمع من العلماء على وقوع الصرع . ([29])
ثالثاً : أدلة المعقول .
يمكن الاستدلال بالمعقول بوجهين :
الوجه الأول :
دخول الجني بدن الإنسي غير ممتنع عقلاً ، بل العقل يثبته ويجيزه سواء أكان الجن
جسما كثيفاً أم رقيقاً .أما في حال كثافته ؛ فلا مانع من مخالطة ذلك لأبداننا ،ودخوله فيه قياساً على دخول الطعام والشراب في جوف الإنسان مع أنها جمادات ، فكيف بالجني وهو مخلوق، وله إرادة وقدرة عجيبة .
وأما في حال رقته ـ وهو ما أرجحه ـ فأيضاً لا يمتنع عقلاً ؛ ويكون دخوله في الجسد كدخول الهواء أبداننا ، وكدخول النار في الحديد .
والجن للطافتها ورقتها ، لا يمتنع عليها مشابكة بدن الإنسان ، والدخول في جميع أجزائه .([30])
الوجه الثاني :
العلم في العصر الحديث ، يؤيد دخول الجني بدن الإنسي ، من الناحية العقلية ، وأصدق مثال على ذلك ما يلي :
1- الكهرباء مادة رقيقة غير مرئية ، تستطيع اختراق جسد الإنسان بسرعة عجيبة ، والتغلغل في جميع جزيئاته ، ويمكنها ـ بقدرة الله ـ أن تحدث أضراراً في جسده تصل أحياناً إلى الموت.
2- أشعة الليزر يمكنها التغلغل في أي جزء من جسد الإنسان ، بدون إحداث تخلخل أو تخرق ، وتستخدم كالمبضع في العمليات الجراحية ؛ وذلك لما تتميز به من الرقة .
لذا يمكن قياس دخول الجني بدن الإنسي ، على دخول الكهرباء ، وأشعة الليزر جسد الإنسان بجامع الرقة في كلٍ .
والغريب أننا نسمي ملامستنا للكهرباء بالمس الكهربائي ، وكأن لفظة المس تختص بملامسة الأشياء الرقيقة التي لا يكون لها جرم مادي ملموس . ([31])
رابعاً : أدلة المشاهدة :
من حاول أن يتتبع ظاهرة المس الشيطاني قديماً وحديثاً ، يحصل له من مجموع ذلك علم ضروري ؛ بأن تلبس الجن أبدان الإنس أمر واقعي محسوس ومشاهد على أرض الواقع ، ويمكن الاستدلال على دلالة الواقع بأربعة أشكال .
الشكل الأول : دلالة الواقع عند المسلمين قديماً .
أما إثبات معاينة ظاهرة التلبس قديماً ، فيكون من خلال الأخبار والآثار التي وردت عن الثقات – وهى كثيرة – ومنها :
1- قال عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل « : قلت لأبي : إن أقواماً يقولون :إن الجني لا يدخل في بدن المصروع ، فقال : يا بني يكذبون ، هذا يتكلم على لسانه . » ([32])
2- قال أبو عثمان عمرو بن عبيد([33]): « إن المنكر لدخول الجن في أبدان الإنس دهري ،أو يجئ منه دهري. ويعلق القاضي عبد الجبار على ذلك قائلاً : وإنما قال ذلك ؛ لأنها قد صارت من الشهرة ، والظهور ، كشهرة الأخبار في الصلاة ، والصيام ، والحج ،والزكاة ، ومن أنكر هذه الأخبار التي ذكرناها،كان راداً ،والراد على الرسول r ، ما لا سبيل إلى معرفته،إلا من جهته ، كافر ([34])..» ([35])
3- قال ابن تيمية في معرض حديثه عن المس : « والناس في هذا الباب ثلاثة أصناف : قوم يكذبون بدخول الجني بدن الإنسي ، وقوم يدفعون ذلك بالعزائم المذمومة ، فهؤلاء يكذبون بالموجود وهؤلاء يعصون ، بل يكذبون بالمعبود ….. » ([36])
وعند كلامه عن طريقة العلاج قال : « ولهذا قد يحتاج في إبراء المصروع ، ودفع الجني إلى الضرب ضرباً كثيراً جداً …… والجني يصيح ويصرخ ، ويحدث الحاضرين بأمور متعددة ، كما قد فعلنا هذا ، وجربـناه مرات كثيرة يطول وصفها بحضرة خلـقٍ كثيرين »([37])
4- يقول ابن قيم الجوزية محدثاً عن شيخه ابن تيمية : « شاهدت شيخنا يرسل إلى المصروع من يخاطب الروح فيه ، ويقول : قال لك الشيخ : اخرجي فإن هذا لا يحل لك ، فيفيق المصروع ، وربما خاطبها بنفسه ، وربما كانت الروح ماردة ، فيخرجها بالضرب ، فيفيق المصروع ، ولا يحس بألم ، شاهدنا نحن وغيرنا منه ذلك مراراً » ([38])
هذه بعض النقول القديمة التي تثبت أن المس أمر حقيقي مشاهد ، وهى غيض من فيض لا يتسع المقام لذكره .
الشكل الثاني : دلالة الواقع عند المسلمين المعاصرين .
عندما تتبعت النقول الحديثة للمسلمين ، التي تثبت معاينة تلبس الجن للإنس وجدت أنها من الكثرة بحيث لا يمكن حصرها في كتاب واحد ؛ وكثرتها بهذا الشكل إن دل على شيء ؛ فإنما يدل على أن ظاهرة المس الشيطاني ظاهرة ملموسة عاينها عدد كبير ، تحيل العادة تواطؤهم على اختلاقها ، وهى ظاهرة حقيقية ليست من نسج الأوهام أو من بنات الأحلام كما يظن البعض ، والمقام هنا لا يتسع لذكر الكثير منها ، لذا سأذكر بعضها على سبيل المثال .
1 – قال محمد الحامد : « ووقائع سلوك الجن في أجساد الإنس كثيرة مشاهدة ، لا تكاد تحصى لكثرتها ، فمنكر ذلك مصطدم بالواقع المشاهد ، وإنه لينادي ببطلان قوله . »([39])
2 – ما ذكره أبو بكر الجزائري عن تلبس الجني لأخته، وكلامه على لسانها مدة عشر سنين، ثم موتها بسببه ،وقال عقب ذلك:« هذه الحادثة عشتها ، وبعيني رأيتها ،وما راء كمن سمع. » ([40])
3- قال ابن العثيمين : « قد يتحدث الجني من باطن الإنسي نفسه ويخاطب من يقرأ عليه آيات من القرآن ، وربما يأخذ القارئ عليه عهداً ألا يعود ، وغير ذلك من الأمور التي استفاضت بها الأخبار ، وانتشرت بين الناس . » ([41])
4- نقل الشيخ الحلبي عن الدكتور نبيل سليم ماء البارد ( بروفيسور جراحة المخ والأعصاب والعمود الفقري جامعة مونيستر ) فيما كتبه عن حالة لإحدى المريضات وقعت أمام عينيه : « قبل القراءة عليها كانت المريضة قلقة متوترة مع نوبات من الهمود النفسي تجيب على الأسئلة المطروحة عليها ، ولكنها غير متعاونة تماماً ، يبدو أنها ليست قلقة على نفسها فقط ، ولكن على كل من حولها من عائلتها ، أظهر الفحص العصبي المختص أنها سليمة من جميع النواحي العضوية العصبية ، أما فحص الحدقتين فكانتا بحجم طبيعي ( 4-5م ) مع استجابة عادية للمنعكس الضوئي ؛ حيث إنه من المعروف أن تسليط الضوء على حدقة الإنسان المتواجد في غرفة معتمة نوعاً ما يؤدي إلى انقباض أو صغر في حجم هذه الحدقة ، هذا ما كان عليه الحال بالنسبة للسيدة المذكورة ، وبعد القراءة عليها ومحاولة التكلم مع من تواجد بداخلها ، بدأت بالانفعال الشديد والهيجان ، وقد بدا واضحاً أن الشخص الذي يتكلم معنا هو شخص آخر ، ليس فقط بسبب تغير نبرة الصوت ، وإنما للتعرض لأحداث وإجابات لم تكن تعرف عنها شيئاً قبل ذلك ، وخلال هذا الطور كان من الصعوبة تسليط الضوء على العينين لفحص الحدقتين ؛ حيث كان ذلك يؤدي إلى هيجان شديد مع صعوبة في السيطرة عليها .
ولكن بالرغم من ذلك تبين بأن حدقتي العين هما في أشد مراحل التضييق ، و لا يوجد لهما أي تفاعل أو تغير بعد تسليط الضوء الشديد عليهما ، وكان العينان في حالة حركة أفقية مستمرة ، وهي ما نسميه ( الرأرأة ) .
وفي المرحلة الأخيرة وعندما طلب من الجني الخروج – وذلك عن طريق الساق اليسرى – أصابتها حالة اختلاجية تشنجية شديدة وموضعها خاصة في الساق اليسرى .
وبعد ذلك طرأ تغير شديد على المريضة ، حيث استفاقت ، وهي لا تعلم عن كل ما أصابها ، كانت في حالة ذهول شديد ، وأرادت أن تتمم الحديث الذي بدأته قبل القراءة عليها ، وعندما سألناها عن الصداع الشديد الذي كانت تشعر به قبل ذلك ، أجابت بأنه قد اختفى نهائياً . » ([42])
5- قال الدكتور قيس الغانم ( اختصاصي الأمراض العصبية وتخطيط الدماغ في كندا ) : « قد كانت لي مريضة صغيرة تبلغ من العمر خمسة أعوام ، كان والدها مدرساً سعودياً في الإمارات العربية .
وأصيبت البنت بحالة صرع من النوع الاختلاجي العضلي السريع الذي يرمي الطفلة إلى الأرض لمدة ثوانٍ معدودة ، تقوم بعدها كأن شيئاً لم يكن ، وقمت بفحصها فلم أجد سبباً للنوبات ، وأجريت لها أكثر من تخطيط للدماغ برهن بوضوح على وجود حالة صرع شديدة ، فبدأت بعلاجها بالأدوية المعروفة ، وثابرت على ذلك لفترة طويلة ، مستعينا بالمختبر في قياس كميات الدواء الموجودة في الدم ، ولم أستطع أن أغير من النوبات التي استمرت في الحدوث عدة مرات يومياً .
وفي يوم من الأيام صارحني الرجل السعودي بأنه يفكر في أخذها إلى رجل صالح مشهور في منطقة معينة من المملكة ، فقلت له : على بركة الله . خاصة وأنني فشلت في العلاج .
فلما عاد بشرني بأن النوبات قد توقفت تماماً ، وأنها لا تتعاطى أي دواء وأن الرجل الصالح أعطاها جرعة واحدة من قد كبير بينما كان يقرأ بعض الآيات ، وفي الوقت الذي فرحت فيه للفتاة ، كنت أشك في صدق هذا النجاح الباهر ، فلربما أن النوبات التي تستغرق ثواني معدودة كما قلنا تحدث بسرعة فائقة بحيث لا تلاحظها الأم ، ولكن الأب أصر على أن النوبات توقفت بالفعل .
قلت له : دعنا نعيد تخطيط الدماغ لكي نرى ما إذا كان فرق قد طرأ ، وكان التخطيط سليما للغاية ، وكان الشك ما زال يساورني فطلبت منه إعادة الطفلة بعد شهرين ، فلما عاد أكد أن النوبات لم تعد مطلقاً ، وبما أن التخطيط يمكن أن يكون سليماً حتى لدى المصابين بالصرع الشديد ، أعدت التخطيط مرة أخرى ، وذهلت من جديد عندما وجدته سليماً . » ([43])
هذه بعض المشاهدات في عصرنا الحاضر ، ويلحظ من المشاهدتين الأخيرتين أنهما حصلتا مع أطباء متخصصين ، و خبراء واعين في الأمراض العصبية أو النفسية ، ويلحظ من خلال المشاهدتين أنهما تضمنا تغيراً مفاجئاً لا يقع مثله مع الأمراض العصبية أو النفسية ، وهذا التغير لم يكن وهما وقع لبعض المعالجين أو المرضى بل أثبتته أجهزة التخطيط بما لا يدع مجالاً للشك .
أضيف إلى ذلك ما ذكره المعالجون لحالات المس ـ مع اختلاف بلادهم ـ ، وما يثبتونه في كتبهم من حالات العلاج ؛ إذ لا يخلو كتاب معاصر من كتب المعالجين ، من قصص عاينوها عند علاجهم لحالات المس ، وتشتمـل في الغالب علـى مقاطع من الحديث الذي يدور بينهم وبين الجني الصارع من داخل أبدان الممسوسين ، فهي من الكثرة؛ لدرجة تحيل العادة تواطؤهم على الكذب([44]) .
الشكل الثالث : دلالة الواقع عند غير المسلمين قديماً .
تروي النسخ المتداولة من الأناجيل أن سيدنا عيسى عليه السلام قد أخرج الجن من كثير من المرضى،الذين أصابهم المس الشيطاني بحالات مرضية ، أو جنون ، ومن هذه النصوص ما يلي :
1- في إنجيل لوقا « وفي اليوم التالي إذ نزلوا من الجبل استقبله جمع كثير ، وإذا رجل من الجمع صرخ قائلاً : يا معلم ! أطلب إليك . انظر إلى ابني ؛ فإنه وحيد لي ،وها روح يأخذه فيصرخ بغتة ؛ فيصرعه مزبداً …….وبينما هو آتٍ مزقه الشيطان ، وصرعه ، فانتهر يسوع الروح النجس وشفى الصبي » ([45])
2- وفي إنجيل لوقا نص يشير إلى أن الإنسان قد يمسه أكثر من شيطان إذ يقول : « وعلى أثر ذلك كان يسير في مدينة وقرية ويكرز ، ويبشر بملكوت الله، ومعه الإثنا عشر ، وبعض النساء كن قد شفين من أرواح شريرة ، وأمراض . مريم التي تدعى المجدلية التي خرج منها سبعة شياطين » ([46])
3- وفي إنجيل لوقا أيضاً « وكان في المجمع رجل به روح شيطان نجس ،فصرخ بصوت عظيم قائلاً : آه ! ما لنا ولك يا يسوع الناصري ، أتيت لتهلكنا . أنا أعرفك من أنت قدوس الله ، فانتهره يسوع قائلاً : اخرس واخرج منه ، فصرعه الشيطان في الوسط ،وخرج منه ،ولم يضره » ([47])
هذه بعض النصوص من الإنجيل تثبت دلالة الواقع في وقوع المس الشيطاني قديماً ، ولا أجانب الصواب إذا قلت:إن هناك عدة إصحاحات ، كل إصحاح منها تضمن حشداً من القصص المثبتة لظاهرة التلبس. ([48])
الشكل الرابع : دلالة الواقع عند غير المسلمين في العصر الحديث .
استفاضت الأخبار عن علماء غربيين التي تثبت ظاهرة المس ، بالرغم أن المنهج الغربي ؛ منهج مادي تجريبي ، لا يثبت إلا ما يعاينه ، ويخضعه للتجربة .لذا يلحظ أن أكثر النقول كانت من أطباء غربيين عاينوا حالات مرضية كثيرة ، فوصلت بهم النتائج التجريبية ؛ إلى أن ظاهرة التلبس والمس الشيطاني ، ظاهرة واقعية ملموسة ، يجب أخذها بعين الاعتبار عند علاج الحالات المرضية ، خاصة حالات العقول المريضة ، ومن هذه النقول ما يلي :
1- يقول العالم هيوارد كارنجتون ، عضو جمعية البحوث النفسية الأمريكية في كتابه [ الظواهر الروحية الحديثة ]: « واضح أن حالة المس هى على الأقل حالة واقعية ، لا يستطيع العلم بعد أن يهمل أمرها ، ما دامت توجد حقائق كثيرة
مدهشة ، تؤيدها .
وما دام الأمر كذلك ؛ فإن دراستها أصبحت لازمة وواجبة،لا من الوجهة الأكاديمية فقط ، بل لأن مئات من الناس ، وألوفاً يعانون كثيراً في الوقت الحاضر من هذه الحالة ؛ ولأن شفاءهم منها يسـتلزم الفـحص السـريع ، والعلاج الفوري …. » ([49])
2- قال الباحثان الشهيران ريشار هودسن،وجيمس هايسلوب في نتائج دراسة قاموا بها :« إن عدداً عديداً من المجانين الذين يحبسون في البيمارستانات ، ليسوا بمصابين بأمراض عقلية ، بل مملوكين لأرواح قد استولت عليهم واستخدمتهم . » ([50])
3- يرى الدكتور كارل ويكلاند ، « أن الجنون قد ينشأ من استحواذ روح خبيث على الشخص ؛ فيحدث اضطراباً واختلالاً في اهتزازاته . » ([51])
هذه بعض النقول الغربية التي توضح أن دلالة الواقع والتجربة العلمية تثبت ظاهرة التلبس .
4- يقول محمد توفيق : « وقد سمعت من إخوة موثوقين أنهم صادفوا حالات لمصروعين يتحدثون بلغات لا يعرفونها بالمرة بربرية وعربية وفرنسية وأسبانية وعبرية .. هذه الظواهر التي يتناقلها الناس عندنا دون توثيق علمي ثبت مثلها في الغرب وتم إثباتها على طريقة العلماء في رصد الظواهر وملاحظتها ، ويوجد في المكتبات الروحية إسطوانات للصوت باللغة الفرعونية .. ولا نتصور احتياطات أدق مما سيفعله الباحثون الغربيون قبل الاعتراف بوجود هذه الظـواهر ، فالعقلية العلـمية الحالية لا تؤمن إلا
بالمحسوس . » ([52])
ثانياً : أدلة منكري المس بمعنى التلبس .
استدل القائلون من المعتزلة ومن وافقهم ممن ينكرون المس بالقرآن ، والمعقول ، وبتأويل النصوص الدالة على المس ، وتفصيل أدلتهم على النحو التالي :
أولاً : أدلة القرآن .
/ – قال الله I: } إنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذينَ آمنُوا وَعَلَى رَبهِم يَتَوَكَّلُونَ ، إِنمَّا سُلطَانُهُ عَلَى الَّذِين يَتَوَلَّونَهُ ، وَالَّذِينَ هُم بِهِ مُشرِكُونَ { ([53])
وجه الدلالة :
الآية نص صريح في أنه ليس للشيطان قدرة على التسلط ، والولاية على أولياء الله I وهذا واضح من الآية ؛ حيث نفت سلطان الشيطان على عباده المتقين ،وهى تشمل كل سلطان ، سواء كان بالتسلط على المسلمين وصرعهم ، أو غيره .([54])
/ – قال الله I : } إنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهم سُلطَانٌ ، وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلاً { ([55])
وجه الدلالة :
الآية واضحة الدلالة في عدم تمكن الشيطان من التسلط على العباد صرعاً ، وقتلاً ؛ لأن الله I وكيله في الكفاية والرعاية ، ومعنى قوله تعالى « وكفى بربك وكيلاً » إن كان الشيطان قادراً على إخافة الإنسان بالوسوسة ؛ فإن الله I أقدر منه في دفع كيده عن الإنسان .([56])
/ – قال الله I: } وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ : إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَـانَ لِي عَلَيْكُمْ مِـنْ سُلْطَـانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي { ([57])
وجه الدلالة :
الآية صريحة الدلالة في أن الشيطان لا يملك قهر الإنسان وصرعه ، وغاية ما يملك هو دعوة الناس للمعاصي من خلال الوسوسة ، وعليه فإن عداوة الشيطان للإنسان لا تعدو الوساوس ، والخداع .([58])
ويعترض على أوجه استدلال المعتزلة بالآيات ، بأن الآيات المستشهد بها على عداوة إبليس للإنس ، تنفي سلطانه عليهم بالقهر على فعل المعاصي،ولم تتعرض إلى إيصال إيذائه لهم في أبدانهم .
وهناك آيات أخرى أثبتت قدرته على الإيذاء البدني للإنس كما في سورة البقرة .
وهذا ما ذكره بعض المفسرين ، عند تفسيرهم لسلطان الشيطان ، كما دل على ذلك آيات أُخر .
نقل القرطبي عن الثوري عند تفسيره لسلطان الشيطان أنه قال : « أي بالإغواء والكفر ؛ أي ليس لك قدرة على أن تحملهم على ذنب لا يغفر . »
ونقل عن مجاهد أنه قال : « لا حجة له على ما يدعوهم إليه من المعاصي » ([59])
ومما يؤكد هذا المعنى ويبينه قول الله I : } ولأُغوِيَنَّهُم أَجمَعِين ، إلا عِبَادَكَ مِنهُمُ المُخلَصِين{ ([60]) }إنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهم سُلطَانٌ إلا مَن اتَّبَعَكَ مِن الغَاوِينَ. {([61])
فالآيات السابقة بينت حقيقة سلطان الشيطان و اقتصاره على الإغواء .
والنصوص التي استدل بها الجمهور تدل على قدرة الشيطان والجن على إيقاع الإيذاء البدني على الإنسان ، ويكون هذا الإيذاء من باب الابتلاء للمؤمن والبلاء للكافر .
يقول الألوسي نافياً هذه الشبهة التي أوردها المعتزلة : « والآية ([62]) التي ذكروها في معرض الاستدلال على مدعاهم ،لا تدل عليه ، إذ السلطان المنفي فيها إنما هو القهر والإلجاء إلى متابعته ،لا التعرض للإيذاء و التصدي لما يحصل بسببه الهلاك ،ومن تتبع الأخبار النبوية وجد الكثير منها قاطعاً بجواز وقوع ذلك من الشيطان ،بل بالفعل . » ([63])
/ – قال الله I : } والجَانًّ خَلقنَاهُ مِن قبلُ مِن نَارِ السَمُومِ { ([64])
وجه الدلالة :
بينت الآية أن الجن مخلوق من نار؛ لذا لا يتصور دخولهم جسد الإنسان ؛ لأنهم لو دخلوه ؛ لأدى ذلك إلى إحراق بدن الإنسان . ([65])
ويعترض عليه :
بأن أصل الجن كان من النار ، ولكنه تغير في خلقته إلى مادة أخرى ، ليس فيها صفات النار مثل الإحـراق وغيره ، كمـا تغير جسم الإنسان من طين إلى لحم ودم ، وتركيـب آخـر يختلف بصفاته عن الطين ،وهذا ما بينته وأثبته سابقاً عند حديثي عن أصل الجن فليرجع إليه.([66])

ثانياً : تأويل النصوص الواردة في الموضوع :
/ – قال الله I : } الَّذِينَ يَأكُلُونَ الرِبَا لا يَقُومُونَ إلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطَهُ الشيطانُ من المسِّ { ([67])
وجه الدلالة :
تأول المعتزلة ـ و من وافقهم ـ هذه الآية بأنها ليست على حقيقتها ([68]) ،بل أنها جاءت على ما كان العرب يعتقدونه ،ويزعمون من تلبس الجني بدن الإنس ويصرعه .
يقول الزمخشري : « وتخبط الشيطان من زعمات العرب ؛ يزعمون أن الشيطان يخبط الإنسان فيصرع ،والخبط الضرب على غير استواء كخبط العشواء ،فورد على ما كانوا يعتقدون،والمس : الجنون ،ورجل ممسوس ،وهذا أيضاً من
زعماتهم » ([69])
الرد على هذا التأويل :
إن هذه الآية وردت حقيقة وليست على سبيل المجاز ويمكن إثبات ذلك من وجوه .
1- لم ينكر القرآن حدوث الجنون والصرع بمس الشيطان .وإن كان هذا معروفاً في عقيدة المشركين؛ فإن إعادة القرآن لهذا الأمر بنصه دليل قوي على صحته ،كذلك لم يرد في سياق هذه الآية ما يخطئ هذه العقيدة .([70])
2- من المعلوم قطعاً أن القرآن جاء لتأكيد العقائد الصحيحة ([71]) الموجودة عند المشركين ، وجاء لإبطال العقائد الفاسدة عندهم ،مع بيان فسادها ؛ لذا لو كانت قضية صرع الجني للإنسي من عقائد العرب الفاسدة ،فكيف يسكت عنها القرآن بدون بيان حقيقتها ،وكيف يتصور مثل هذا الأسلوب في القرآن الكريم ؛ لذا يعتبر ذكر القرآن لذلك بمثابة تقرير ،وتأكيد لحقيقة تلبس الجني بدن الإنسي .
3- لقد أثبت جمهور المفسرين هذه العقيدة ، وأجروا الآية على حقيقتها ، و جاء من السنة ما يؤكد ذلك مما يدل على أن المس له حقيقة .
4- أدلة المشاهدة والمعاينة للتلبس أكبر دليل على أن الصرع من جهة الجني له حقيقة وليس من زعمات العرب .
5- يعتبر هذا التأويل من باب التعنت والإنكار لظاهر النصوص القاطعة التي لا تحتمل التأويل ،ولو فتح هذا الباب ؛ لما أجريت آية من آيات القرآن على حقيقتها ؛ ولأدى ذلك لإبطال الشريعة وكان هذا بمثابة إقرار لمنهج الباطنية في تأويل النصوص وتعطيلها .
ثالثاً:المعقول :
1 – لو تمكن الجن من صرع الإنس ، وإيذائهم ؛ فلم لا يصرع جميع المؤمنين ، ولم لا يخبطهم مع شدة عداوته لأهل الإيمان ، ويزيل عقولهم .([72])
ويعترض عليه بأن من حكمة الله I أنه يخلق مخلوقات مؤذية ، ولكن يلزمها حدودها ، ولا يكون الأذى إلا حيث قدر الله I ، ومن ذلك أن الله I بين أن الضرر يحصل بالسحر ، ولكنه ليس ضرراً مطلقاً ، بل هو مقيد بإذن الله .يقول الله I : } وَمَا هُم بِضَـارِّينَ بِهِ مِن أَحَدٍ إلا بِإذنِ الله { ([73]) لذا فإن الجـن عنده القدرة عـلى تلبس الإنسان ، ولكنها قدرة غير مطلقة بل محدودة ؛ لكي تنتظم مسيرة الحياة حسب القوانين الإلهية ، ووفق السنن التي وضعها الله I لتنظيم الكون. ([74])
وبناءً على هذه السنن ؛ فإن الله I لا يترك الجن يعبثون في الكون فيصرعون كل الخلائق بل يتمكنون من ذلك في حالات معينة ، يرتفع عندها الحفظ والعناية الإلهية للإنس من الجن ، ويكون ذلك غالباً عند ضعف الإنسان إيمانياً ،وفساد يقينه ؛ وهذا ما يفسر لنا وجود أسباب لتلبس الجن لأبدان الإنس ؛ أي إذا توفرت هذه الأسباب ،أصبح للجن القدرة على اختراق الإنسان ،ومسه . ([75])
2 – الجن مادة تخالف مادة الإنس ، ويستحيل أن تتداخل المادتان .([76])
ويعترض عليه : بأن الجن للطافتها لا يمتنع عليها مشابكة البدن والدخول فيه .([77])
3 – إن دخول الجن بدن الإنسان يؤدي إلى اتساع تلك المجاري التي سيجري بها الجن ، ويؤدي إلى تداخل الأجسام ، وهذا ممتنع عقلاً .
ويعترض عليه :
بأنه لا يلزم من دخول الجن اتساع المجاري ، بل يكون التداخل على سبيل المجاورة ؛ كما يدخل الطعام وغيره جوف الإنسان ، وقد سبق أن بينت ذلك في أدلة المعقول عند الجمهور .([78])
الراجح في المسألة :
يتبين من خلال عرض أدلة الفريقين ، أن مذهب أهل السنة والجماعة ، هو المذهب الراجح وذلك للأسباب التالية :
1- سلامة أدلته وصراحتها ؛ بما لا يحتمل التأويل ، ورجاحة استدلالهم على استدلال المعتزلة ، ومن وافقهم .
2- يعتبر الواقع الذي يؤيد تلبس الجن لأبدان الإنس ، أكبر شاهد ، ودليل على رجاحة مذهب الجمهور .
3- ما ذكره المعتزلة ، تعارضه الأدلة الصريحة ،وما هو إلا شبهات لا تستقيم ، ولا تسلم مـن الطعن ، وما هى إلا شطحة من شطحات المعتزلة التي اشتهروا بها .يقول القاسمي في تفسيره رداً على مذهب المعتزلة : « وهذا القول ـ أي قول المعتزلة ـ على الحقيقة من تخبط الشيطان بالقدرية ([79]) ومن زعماتهم المردودة بقواطع الشرع .… وإنما القدرية خصماء العلانية ، فلا جرم ، أنهم ينكرون كثيراً مما يزعمونه مخالفاً لقواعدهم ، ومن ذلك : السحر ،وخبطة الشيطان ، ومعظم أحوال الجن . »([80])

([1]) انظر الطبري : جامع البيان (3/ 101) ؛ ابن كثير : تفسير القرآن العظيم ( 1 / 308 ) ؛ زادة : حاشية زادة على تفسير البيضاوي (1/587 ) .ابن تيمية : البيان المبين (28 ) وللكتاب اسم آخر وهو إيضاح الدلالة ؛الشوكاني: فتح القدير ( 1 / 295 ) ؛ القاسمي:محاسن التأويل ( 3 / 700)؛ الشبلي : آكام المرجان ( 120) ؛ السيوطي : لقط المرجان ( 88 ) .
([2]) انظر المراجع السابقة ، وانظر الزمخشري ، الكشاف ( 1 / 398 ) ؛ البيضاوي : أنوار التنزيل ( 1 /586 ) ؛ الرازي : التفسير الكبير( 7 / 95 ) ؛ القرطبي : الجامع لأحكام القرآن ( 2 / 50 ) ؛ القاسمي : محاسن التأويل ( 3 / 702 ) ؛ الحامد : ردود على أباطيل ( 2 / 137 ) .
([3]) انظر الرازي : التفسير الكبير ( 7 /96 ) ؛ أدهم : السحر والسحرة ( 159 )
([4]) انظر الغزالي : السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث (114 )
([5]) ذكر الشهاوي أن ممن ينكرون المس الأستاذ أحمد زين والشيخ عبد الله المشد[ انظر الشهاوي : العلاج الرباني ( 105 ) ]
([6]) انظر أدهم : السحر والسحرة (154 ) ؛ كذلك وجهة نظر الأطباء النفسيين تفهم من خلال الندوات ، واللقاءات التي تبرز نظرتهم في إنكار المس بمعنى تلبس الجني للإنسي ، وذكر الشرقاوي في كتابه نصوص لبعض الأطباء تبرز إنكارهم للمس [ انظر الشرقاوي : العلاج بالقرآن (198 وما بعدها ) ]
([7]) البقرة : الآية 274
([8]) انظر الطبري : جامع البيان (3/ 101) ؛ ابن كثير : تفسير القرآن العظيم ( 1 / 308 ) ؛ القاسمي:محاسن التأويل ( 3 / 700)؛ ابن عطية : تفسير ابن عطية ( 2/345) ؛ زادة : حاشية زادة على تفسير البيضاوي (1/587 ) .
([9]) الشوكاني: فتح القدير ( 1 / 295 ).
([10]) القرطبي : الجامع لأحكام القرآن ( 3 /51 ).
([11]) الأعراف : الآية 201
([12]) انظر ابن كثير : تفسير القرآن العظيم ( 2 / 267 ) ؛ الطبري : جامع البيان ( 9 / 157 ) (4 / 103 ) .
([13]) أخرجه البخاري في كتاب المرضى ، باب (6) فضل من يصرع من الريح ، حديث رقم 5652 [البخاري مع الفتح (10 / 119 ) ] ؛ ومسلم فىكتاب البر والصلة والآداب ، باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها ، حديث رقم 2576(4 /1990 ) .
([14]) ابن حجر: فتح الباري ( 10 / 120 )
([15]) ابن حجر: فتح الباري ( 10 / 120 )
([16]) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة ،باب في الاستعاذة ، [ سنن أبي داود مع عون المعبود (3 / 410 ) ]؛ والنسائي في كتاب الاستعاذة ، باب استعاذة النبي من التردي والهدم ، [ انظر سنن النسائي بشرح السيوطي (8 /282 )] ؛ و الحاكم وقال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ، وأقره الذهبي [ انظر المستدرك ( 1 / 531 ) ]
([17]) إشارة النص : هي دلالة الكلام على معنى غير مقصود أصالة ، أو تبعاً ، ولم يأت سياق الكلام لأجله ، ولكنه لازم للمعنى الذي سيق الكلام لإفادته ، ومثاله قول الله I « أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم . » فالآية دلت بعبارتها على إباحة الجماع في جميع الليل ، وهذا هو المعنى الذي سيق الكلام لأجله ، ودلت بالإشارة على أن من أصبح جنباً في حالة الصوم فصيامه صحيح ؛ لأن إباحة الجماع حتى آخر الليل يلزم منه أن يصبح الصائم جنباً ، فدل ذلك على إباحته [ انظر السرخسي : أصول السرخسي (1/236 وما بعدها ) ؛ الزحيلي : أصول الفقه ( 1/350 وما بعدها ) ]
([18]) قال آبادي عند شرحه لهذا الحديث : « قيل التخبط الإفساد ، والمراد إفساد العقل والدين ، وتخصيصه بقوله ( عند الموت ) لأن المدار على الخاتمة . [ آبادي : عون المعبود (4/410) ]
([19]) الطبرسي ، مجمع البيان (1 / 358 )
([20]) الشوكاني ، فتح القدير ( 1 / 295 )
([21]) ابن منظور ، لسان العرب ( 7 / 282 )
([22]) أخرجه الإمام أحمد في مسند الشاميين ، رقم 17561[ المسند (4/ 210 ) ]
([23]) اللمم واللمة : الطائف من الجن يعتري الإنسان ، واللمم الجنون ، وقيل طرف من الجنون يلم الإنسان [ انظر ابن منظور : لسان العرب ، باب الميم ، فصل اللام (12/551) ]
([24])الأقط : لبن مجفف يابس مستحجر يُطبخ به [ انظر ابن الأثير : النهاية ( 1/57) ]
([25]) أخرجه الإمام أحمد في مسند الشاميين رقم 17562 [ المسند ( 4/211) ] ؛ قال الهيثمي : رواه أحمد بإسنادين والطبراني بنحوه وأحد إسنادي أحمد رجاله رجال الصحيح [ الهيثمي ، مجمع الزوائد ( 9 / 6 ) ] ؛ وأخرجه الحاكم وقال : هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه بهذه السياقة ، وقد أقره الذهبي [ المستدرك ( 2 / 618 ) ]
([26]) رواه الطبراني في الأوسط والبزار بإختصار وفيه ابن سفيان ، ذكر ابن أبي حاتم لم يجرحه أحد وبقية رجاله ثقات ، قال الهيثمي : في الصحيح بعضه [ الهيثمي ، مجمع الزوائد ( 9 / 9 ) ]
([27]) أخرجه ابن ماجة في كتاب الطب ،باب(46) الفزع والأرق وما يتعوذ منه ، حديث رقم 3548 [ السنن ( 2/1174 ) ]؛قال الألباني صحيح [ صحيح ابن ماجة ( 2/ 273 ) ]
([28])أخرجه البخاري في كتاب الاعتكاف ، باب (([28]) )زيارة المرأة زوجها في اعتكافه ؛ رقم 2038[ البخاري مع فتح الباري (4 /330 )] ؛ ومسلم في كتاب السلام ، باب بيان أنه يستحب لمن رؤى خالياً بامرأة وكانت زوجة أو محرماً له أن يقول: هذه فلانة ليدفع عنه السوء ( 4 / 1712 )؛ وأخرجه أبو داود في كتاب الصوم، باب(78) المعتكف يدخل البيت لحاجته ، رقم 2453[ سنن أبي داود مع عون المعبود (7 / 14)]؛ وأخرجه ابن ماجة في كتاب الصوم،باب(65)في المعتكف يزوره أهله في المسجد ، السنن، رقم 1779( 1 / 565 ) .
([29]) انظر ابن تيمية : مجموع الفتاوى ( 24/276) ؛ القرطبي : الجامع لأحكام القرآن ( 2/ 50) ؛ القاسمي : محاسن التأويل ( 3/702) ؛ الحامد : ردود على أباطيل ( 138 وما بعدها ، 143 ، 158) .
([30]) انظر ابن القيم ، الروح (288 ) ؛ الشبلي ، آكام المرجان (122)
([31]) هناك دراسة قام بها أحد الباحثين بعنوان : الجن بين إشارات القرآن وعلم الفيزياء ، حيث قارن بين دلالة الآيات التي تشير إلى خلق الجن وبين بعض معطيات الفيزياء فخلص إلى نتيجة أن الجن في طبيعته عبارة عن طاقة شبيهة يالموجات الكهرومغنطيسية والإشعاعية التي تصدر عن الصواعق ، وهو خُلق من نار شبيهة بنار الصواعق بما تحمله من= == طاقة كهربائية ، وأرى أن هذه الدراسة جديرة بالاهتمام وقد يكون لها نصيب وافر من الصحة ، خاصة أننا نرى من واقع التجربة مدى التشابه في الأثر بين الموجات الكهرومغنطيسية وبين الجن [ الرفاعي : الجن بين الإشارات القرآنية وعلم الفيزياء ( 16 -30 ) ]
([32]) ابن تيمية ،البيان المبين(29).
([33]) هو أبو عثمان عمرو بن عبيد بن باب : المتكلم الزاهد المشهور ولد سنه (80 هـ ) وتوفي سنة (144هـ ) [ انظر ابن خلكان وفيات الأعيان (3 / 461 ـ 462 ) ]
([34]) لا أوافق القاضي عبد الجبار فيما يقول للاختلاف الواضح بين الشهرة في الإخبار فيما يخص الصلاة والعبادات ، والشهرة في الإخبار في الحوادث ؛ لذا أرى أنه قياس مع الفارق .
([35]) الشبلي ، آكام المرجان ( 123 )
([36]) ابن تيمية ، البيان المبين (95 )
([37]) ابن تيمية ، البيان المبين ( 93 )
([38]) ابن القيم : زاد المعاد ( 4 / 68 )
([39]) الحامد : ردود على أباطيل ( 2 / 134 )
([40]) الجزائري : عقيدة المؤمن ( 299 – 230 ) ، ملاحظة : لم أذكر القصة لطولها ، والشاهد منها ما ذكرت
([41]) العثيمين : فتاوى العثيمين (1 / 79 )
([42]) الحلبي : برهان الشرع في إثبات المس والصرع ( 105 وما بعدها )
([43]) غانم : مرض الصرع : أعراضه وعلاجه ( 22- 24 ) نقلاً عن الحلبي : برهان الشرع في إثبات المس والصرع ( 103)
([44]) انظر بالي : الصارم البتار ( 69 وما بعدها ) ؛ وله الوقاية ( 83 وما بعدها ) ؛ سماحة : دليل المعالجين( ملحق الصحف ففيه كثير من الحالات ) ؛ الصايم : حوار مع الشياطين ( 64 وما بعدها )؛ وله المنقذ القرآني (138 وما بعدها ) ؛ الشهاوي ،العلاج الرباني (80 وما بعدها ) ؛محمود : الفتح الرباني (61 وما بعدها ) ؛ الهمص : المنهج الرباني في علاج السحر والعين والمس الشيطاني ، وقد ذكر إحدى عشر حالة تلبس شيطاني ،وذكر أن علاج ومخاطبة الجني في بعضها حصل أمام جمع من الحاضرين ( 60 وما بعدها ) ، وغيرها من كتب العلاج
([45]) الكتاب المقدس ، إنجيل لوقا ، الإصحاح التاسع (110 )
([46]) الكتاب المقدس ، إنجيل لوقا ، الإصحاح الثامن ( 105 )
([47]) الكتاب المقدس ، إنجيل لوقا ، الإصحاح الرابع ( 98 )
([48]) تعجبت كثيراً من كثرة النصوص التي تثبت ظاهرة المس والعلاج ، في الإنجيل ، لدرجة أنه لا يخلو إصحاح من ذكر هذه الظاهرة أو علاجها ، وتفسير ذلك ـ في ظني ـ هو في طبيعة المرحلة التاريخية التي أرسل فيها عيسى عليه السلام ، فقد بعث عيسى عليه السلام إلى بني إسرائيل بعد سليمان عليه السلام ، وكان الاعتقاد السائد عند بني إسرائيل ، أن سليمان عليه السلام استطاع أن يسخر الجن لخدمته من خلال التعامل بالسحر؛كما وضح القرآن ذلك في سورة البقرة في الآية 102؛ لذا انتشر السحر بين اليهود ليتمكنوا من تسخير الجن لأغراضهم ، والسحر يعتبر من أعظم أسباب المس الشيطاني ؛ فكانت بعثة عيسى في هذه المرحلة التي انتشر فيها السحر مع ما يخلفه من أمراض في المجتمع .
([49]) حوى : الأساس في السنة و فقهها ، قسم العقائد ( 2 / 758 )
([50]) وجدي : دائرة معارف القرن العشرين ( 3 / 182 ) .
([51]) ولي الدين : الجن ( 299 )
([52]) توفيق : التأصيل الإسلامي للدراسات النفسية ( 267)
([53]) النحل : الآية 99 -100
([54]) انظر الزمخشري : الكشاف ( 1/ 428 ) ؛ الرازي ، التفسير الكبير (20/ 100) ؛ الغزالي : السنة بين أهل الفقه والحديث ( 93)
([55]) الإسراء : الآية 65
([56]) انظر الرازي : التفسير الكبير( 21/ 9 )
([57]) إبراهيم : الآية 22
([58]) انظر الرازي : التفسير الكبير ( 9ا / 113 )؛ الغزالي : السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث ( 93 ) .
([59]) القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ( 10 / 175 )
([60]) الحجر :الآية 39
([61]) الحجر : الآية 42
([62])المقصود بالآية هنا هو قوله تعالى « وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي [ إبراهيم : الآية 22]
([63]) الألوسي ، روح المعاني (3 /49)
([64]) الحجر :آية 27
([65]) انظر الرازي ، التفسير الكبير ( 1 /83 وما بعدها )
([66]) انظر الكتاب : ص 19 وما بعدها
([67]) البقرة : الآية 275
([68]) يحضرني في هذا المقام اعتراض لمحمد الغزالي ؛ و هو أحد المنكرين لتلبس الجن بدن الإنس ويعتبره شكلاً من أشكال الوهم الذي أصاب الأمة بسبب جهلها ، وتشبتثها بأخبار واهية ، وأدلة ظنية محتملة لا تصلح دليلاً على وقوع التلبس ويدعم وجهة نظره ؛ بأنه لماذا لا نسمع عن هذا التلبس عند الدول الغربية ؛ التي تفتقر للدين بالكلية ، ويقول مستغرباً :« هل العفاريت متخصصة في ركوب المسلمين وحدهم ؟ لماذا لم يشكُ ألماني أو ياباني من احتلال الجن لأجسامهم ؟ »ثم يعقب الغزالي بعد ذلك بأن قصص احتلال الجني لبدن الإنسي،هي نتيجة لتصورات لا أساس لها في أرض الواقع . [ انظرالغزالي : السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث (93 ) ]
هذا مجمل اعتراض الغزالي رحمه الله ، ويمكن أن يرد عليه بما يلي :
أ – تعتبر الأمة الإسلامية هي أمة الرسالة إلى قيام الساعة ، وهى مدار الاختبار ، كما كانت بنو إسرائيل من قبل ؛ لذا قد يخصها الله I بأشكال من الابتلاء لا تكون في غيرها من الأمم ، ومن أشكال هذا الابتلاء أن يسلط عليها شرار الجن عند تهاونها في الدين
ب – إن عدم سماع أخبار تلبس الجني للإنسي في الدول الغربية لا يعني عدم وجوده ، بل قد يكون المس موجوداً بكثرة بينهم ، ولكن يفسر بتفسيرات ، ويسمى بمسميات أخرى ، وخاصة أن الحضارة الغربية قامت على أساس مادي يرفض كل شيء غيبي ؛ لذا يحتمل أن تسمى حالات المس عندهم بمسميات ، ومصطلحات نفسية ، وهى في الحقيقة حالات مس شيطاني .
ج أما عن إنكار فضيلته ـ جزاه الله كل خير ـ بأننا لا نسمع عن حالات التلبس عند الغرب ، فالحق يخالفه و قد استفاضت الأخبار عن أطبائهم بأن المس والتلبس حقيقة واقعية لا يمكن إنكارها ، بل ورد عن البعض بعد التجربة أن أكثر المرضى في مستشفيات الأمراض العقلية هم مملوكون لأرواح قد استولت عليهم .
([69]) الزمخشري : الكشاف ( 1/320)
([70]) ولي الدين : الجن ( 235 )
([71]) هناك بعض العقائد الصحيحة مما توارثها المشركون عن ملة إبراهيم ، مثل اعتقادهم بحرمة البيت الحرام ، وحرمة القتال فيه ، وكذلك حرمة الأشهر الحرم ، ومثل هذه العقائد جاء الإسلام فأقرها ، وأكّد عليها .
([72]) انظر الرازي ، التفسير الكبير ( 7 / 89)
([73]) البقرة : الآية 102
([74]) انظر القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ( 2/55 ) ؛ القاسمي ، محاسن التأويل ( 2 / 214 )
([75]) انظر ولي الدين ، الجن (232 )
([76]) انظر الرازي ، التفسير الكبير ( 7 / 96 )
([77]) انظر القرطبي ، الجامع لأحكام القرآن ( 2 / 50 )
([78]) انظر صفحة (40)
([79]) تلقب المعتزلة بالقدرية ، لخوضهم في القدر [ انظر الشهرستاني : الملل والنحل (1/43 وما بعدها ) ] .
([80]) القاسمي : محاسن التأويل ( 3 / 701

Advertisements